مشاهدة النسخة كاملة : فَوَائِدُ مِنْ شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ لِلْعصيمِيِّ
فَوَائِدُ مِنْ تَقْرِيرَاتِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْعصيمِيِّ
عَلَى الْقَوْلِ السَّدِيدِ فِي مَقَاصِدِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ سَعْدِيٍّ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هَذِهِ فَوَائِدُ قَيَّدْتُهَا مِنْ تَقْرِيرَاتِ الشَّيْخِ الْـمُتَفَنِّنِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْعصيمِيِّ عَلَى الْقَوْلِ السَّدِيدِ فِي مَقَاصِدِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ سَعْدِيٍّ، أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَنْفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِهَا.
* فَائِدَةٌ 01: مَوضُوعُ كِتابِ الْقَوْلِ السَّدِيدِ: هو بيَانُ موَاضِيعِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ لِلْإِمَامِ الْـمُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
وهذه الـمَوَاضِيعُ هي الْـمُرادةُ بـ: (الْـمَقَاصِدِ) في عُنوَانِ الكِتابِ.
* فَائِدَةٌ 02: التَّرْجَمَةُ: الجُمْلةِ التِي يُصَدَّرُ بها في تقَاسِيم الكتَابِ للدَّلالةِ على الْـمَقْصُودِ؛ وسُمِّيَتْ كذلكَ لأنَّها تُتَرجِم عمَّا بعدَها؛ أي: تُبَيِّنُه على وَجْه الإِجْمالِ.
ومِن هُنا قِيل للأبْوَابِ: تَرَاجِمُ؛ لأنَّها تبيِّن ما بَعْدَها علَى وجْهِ الإجْمَالِ، فيُسْتدَلُّ بهذهِ الجُملةِ التِي جُعِلَت فِي صَدْرِ الكلَام علَى ما بَعْدَهُ.
* فَائِدَةٌ 03: تفَنَّن إمَامُ الدَّعوةِ في التَّراجمِ التِي عقَدهَا للدَّلالةِ علَى مقْصُودهِ مِن كتَابِ التَّوحِيدِ، بحَيْثُ ضاهَى في هذهِ التَّقاسِيمِ ما صنَعهُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ؛ وقد قِيلَ: (إِنَّ فِقْهَ الْبُخَارِيِّ فِي تَرَاجِمِهِ)، وكذلكَ فإنَّ مقْصُودَ كِتابِ التَّوحيدِ هو فِي الأبوَابِ التي تَرجَم بها إِمَامُ الدَّعْوةِ رحمهُ اللهُ.
وقد أشَارَ إلَى هذا الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ [بْنُ سَحْمَان] في قصِيدةٍ لهُ يَمدَحُ بِها كتَابَ التَّوحيدِ، قالَ فِيها:
وَانْظُرْ بِقَلْبِكَ فِي مَبْنَى تَرَاجِمِهِ ***** تَلْقَ هُنَالِكَ لِلتَّحْقِيقِ إِمْعَانًا
فَائِدَةٌ 04: تَقْسِيمُ عُلُوِّ اللهِ إلى ثَلاثةِ أَقْسَامٍ: (عُلُوُّ الذَّاتِ، وَعُلُوُّ القَدْرِ، وَعُلُوُّ القَهْرِ)؛ فيه نَظرٌ، والـمُختَارُ أنَّ العُلوَّ ينقَسِمُ إلى قِسْمينِ:
1 – عُلُوُّ الذَّاتِ.
2 – عُلُوُّ الصِّفَاتِ، وهو الـمُشارُ إلَيْهِ بـ: عُلُوِّ القَدْرِ.
أمَّا عُلُوُّ الْقَهرِ فإنَّه يرجِعُ إلى القِسْم الثَّانِي؛ فإنَّ مِن جُملةِ عُلُوِّ قَدْرِ اللهِ في صِفاتهِ أن يَكُونَ الرَّبُّ سُبحَانهُ عَالِيًا في قَهْرِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ الْعصيمِيُّ:
عُلُوُّ رَبِّـنَا لَدَى الثِّقَاتِ **** عُلُوُّ ذَاتِـهِ مَعَ الصِّفَاتِ
أَمَّا عُلُوُّ قَـهْرِهِ فَـــرُدُّوا **** لِسَابِـقٍ إِذْ مِنْهُ يُسْتَمَـدُّ
* فَائِدَةٌ 05: قسَّم العَلَّامَةُ ابْنُ سِعْدِيٍّ أحْكامَ الرَّبِّ جلَّ جلالهُ إلى ثلَاثةِ أقسَامٍ:
1 – أَحْكَامٌ شَرْعيَّةٌ.
2 – أَحْكَامٌ قَدَرِيَّةٌ.
3 – أَحْكَامٌ جَزَائِيَّةٌ؛ أيْ: ما يُرَتَّبُ مِن الجَزاءِ على العمَلِ بالثَّوَابِ والعقَابِ، والـمَصِيرِ إلى الجنَّة والنَّارِ.
* وهذه القِسْمَةُ غيرُ مُنضَبطَةٍ؛ لأنَّ الأحْكَامَ الجزَائِيَّةَ تُردُّ إلى الأحكَامِ القدَريَّةِ؛ فإنَّ قدَرَ اللهِ سُبحَانهُ جَارٍ على العَبْدِ في الدُّنيَا والآخِرةِ، ومِن جرَيانِه فِي الآخِرةِ: جرَيَانُ الثَّوابِ والعِقَابِ ودخُولُ الجنَّةِ والنَّارِ.
فالـمُخْتَارُ أنْ يُقالَ: إنَّ أحكَامَ الرَّبِّ تَنقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ:
1 – أَحْكَامٌ شَرْعيَّةٌ؛ ومَحلُّها: الشَّرْعِ.
2 – أَحْكَامٌ قَدَرِيَّةٌ، ومَحَلُّهَا: القَدَرُ.
* فَائِدَةٌ 06: تَرْجمةُ (كِتَاب التَّوحيدِ) هي رَأْسُ ترَاجمِ كتَابِ التَّوحيدِ؛ ولهذَا اسْتَغْنَى بها الإمَامُ الْـمُجَدِّدُ عن خُطْبةٍ.
وقد يُعْرِضُ مُصَنِّفٌ مَا عن ذِكرِ الخُطْبةِ لِاكتِفائهِ بمَا جاءَ في أوَّل كِتَابهِ للدَّلالةِ علَى مقْصُودِه، كما نحَا إلَى ذلك الْبُخَارِيُّ رحمه اللهُ وغَيرُه؛ فإنَّهم لم يُقدِّموا بينَ يدَيِ كُتُبِهم خُطبَةً؛ لِاكتِفَائِهم بأوَّلِ ما فِيهَا للدَّلالَة على مقْصُودِهِم مِن التَّصنِيفِ.
* فَائِدَةٌ 07: كِتَابُ التَّوْحِيدِ مَوضُوعٌ أَصْلًا لتَوحِيد العِبادَةِ؛ إلَّا أنَّه تَضمَّنَ مِن بَيْنِ تَراجِمهِ: تَراجِمَ دَالَّةً على أنوَاعِ التَّوْحيدِ الْأُخْرَى.
* فَائِدَةٌ 08: التَّوْحِيدُ في لُغَةِ العَربِ: التَّفْرِيدُ؛ تَقُولُ: وحَّدْتُ الشيءَ؛ إذَا أَفْرَدتَه عَن غيرِه.
والتَّوْحِيدُ في الشَّرْعِ: هُوَ إِفْرَادُ اللهِ بِحُقُوقِهِ.
- (إِفْرَادُ اللهِ): وهذَا مردُّه إلى لِسَانِ العرَبِ.
- (بِحُقُوقِهِ) لِـمَا ثبَتَ في حدِيثِ مُعَاذٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَا مُعَاذُ؛ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟)؛ فسَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقًّا.
* وحُقُوقُ اللهِ ثَلَاثَةٌ:
1 – حقُّ الرُّبوبِيةِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ).
2 – حقُّ الألُوهيَّةِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: (أَلَا للهِ الدِّينُ الْـخَالِصُ).
3 –حقُّ الْأَسْماءِ والصِّفاتِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَللهِ الْأَسْمَاءُ الْـحُسْنَى).
* فَائِدَةٌ 09: ما يَفْعَلهُ بعْضُ النَّاسِ مِن قولِهم: (التَّوْحِيدُ اصْطِلَاحًا)، أو (الصَّلَاةُ اصْطِلَاحًا): هذَا خطَأٌ، لأنَّ مُقتَضَى الِاصْطِلاحِ أن يكُونَ أمْرًا اتَّفقَ عليه النَّاسُ وتوَاضَعُوا علَى جَعْلِه دالًّا علَى معنًى أرَادُوه، وهذا غَيْرُ كَائنٍ في الحقَائِقِ الشَّرعيَّةِ.
فما ثبَتَ بطَريقِ الشَّرْعِ، يُقالُ فيهِ: شَرْعًا، ومَا ثبَتَ بطَريقِ الْـمُوَاضَعَةِ بينَ العُلَماءِ يُقالُ فِيهِ: اصْطِلَاحًا.
* فَائِدَةٌ 10: قال ابْنُ سِعْدِي في الْقَوَاعِدِ الْـحِسَانِ: (فكُلُّ خيْرٍ عاجِلٍ وآجِلٍ، فإنَّه مِن ثمرَاتِ التَّوحيدِ، وكُلُ شَرٍّ عاجِلٍ وآجلٍ، فإنَّه مِن ثمَراتِ الشِّرْكِ).
* فَائِدَةٌ 11: فَضَائلُ التَّوحيد تنْقَسِمُ إلَى قِسْميْنِ:
1 – الْفَضَائِلُ الْعَامَّةُ؛ التي يُحَاطُ بها أهْلُ الإسْلَامِ والتَّوحيدِ؛ مِن نُصْرَةِ اللهِ لهُم ومُدافَعتِه عنْهُم، وتَيْسِيرِ أحوَالِـهِم، وجَمْعِ قلُوبِهم ونَصْرِهِم علَى عَدُوِّهم.
2 – الْفَضَائِلُ الْـخَاصَّةُ؛ التي تُجمَع للعَبْدِ بمُفْردِه، وحَظُّهُ مِنْهَا: باعتِبارِ كمَالِ توحِيدِه، كما أنَّ حَظَّ جُمْهورِ الْـمُسْلمِين مِن فضَائلِ التَّوحيدِ علَى قَدْرِ تَكمِيلِهِم لهُ، فكُلَّما كَمُلَ التَّوحيدُ في نفُوسِ النَّاسِ ظَهَرَتْ فضَائلُه، وكُلَّما ضَعُفَ التَّوحيدُ في قلُوبِ النَّاسِ سُلِب النَّاسُ فضَائلَه وحُرِموا آثَارَه الخَيِّرَةَ.
* فَائِدَةٌ 12: قَوْلُ الْإِمَامِ الْـمُجَدِّدِ: (بَابُ فَضْلِ التَّوْحِيدِ وَمَا يُكَفِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ) هو مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ على العامِّ، كما ذكَرَهُ جُمهُورُ الشُّراحِ؛ لأنَّ مَغفِرةَ الذُّنوبِ وتَكْفيرَها هو فَردٌ مِن أفرادِ فضائِلِ التَّوحيدِ.
وإنَّما أفْرَدهُ بالذِّكْرِ؛ لأجْلِ الِاهتِمامِ به، وبَيانِ عَظَمتِه.
* فَائِدَةٌ 13: ذِكْرُ الخاصِّ بعْدَ العامِّ أو العَامِّ بعدَ الخَاصِّ؛ هو لنُكْتةٍ أوْجَبَتْ إفرَادَ هذَا الخاصِّ بالعِنايَةِ، كما قال السُّيُوطِيُّ في عُقُودِ الْـجُمَانِ:
[وَذِكْرُ] خَاصٍّ بَعْدَ ذِي عُمُومِ **** [مُنَـبِّهًا بِـفَضْلِــهِ] الْـمَعْـلُـومِ
وأحْسَنُ مِن ذلك أن يُقال:
وَذِكْرُ خَاصٍّ بَعْدَ ذِي عُمُومِ **** أَوْ عَكْسِهِ فَلِاهْتِمَامٍ فِيهِ يُومِي
* فَائِدَةٌ 14: (مَا) فِي قولِ الْإِمَامِ الْـمُجَدِّدِ: (بَابُ فَضْلِ التَّوْحِيدِ وَمَا يُكَفِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ): يصِحُّ أن تكُونَ مَصْدَرِيةً أو موصُولةً.
1 – فيَكُونُ التَّقديرُ على الأوَّلِ: بَابُ فَضْلِ التَّوْحِيدِ وَتَكْفِيرِهِ لِلذُّنُوبِ.
2 – وعلَى الثَّانِي: بَابُ فَضْلِ التَّوْحِيدِ وَالذِي يُكفِّرُ مِن الذنُوبِ.
* إلَّا أن جَعْلَها مَصْدَرِيةً أَولَى؛ كما ذكَرهُ الْعَلَّامَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي تَيْسِيرِ الْعَزِيزِ الْـحَمِيدِ وَالْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ في فَتْحِ الْـمَجِيدِ، وعللَّ الْعَلَّامَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ذلكَ: بأنَّ جَعْلَها مَوْصُولةً يُوهِم بأنَّ هُناكَ مِن الذُّنوبِ ما لا يُكفِّرُهَا التَّوحيدُ، والحَقِيقةُ: أنَّ التَّوحِيدَ يُكفِّرُ كلَّ الذُّنُوبِ.
* فَائِدَةٌ 15: (مَنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْـجَنة بِغَيْرِ حِسَابٍ) هذه مَكرمةٌ مِن جُملة فضَائلِ التَّوحِيدِ، ولكِن لَـمَّا كانَتْ خَاصَّةً ببَعْضِ الأفرَادِ معَ علُوِّ شأنِهَا؛ أفْرَدَهَا الْإِمَامُ الْـمُجَدِّدُ بتَرجَمةٍ خَاصَّةٍ.
* فَائِدَةٌ 16: تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ: السَّلامَةُ مِن مُنْقِصَاتِه ونَوَاقِضِهِ.
وهذه النَّواقِضُ والـمُنْقِصَاتُ تَرجِعُ إلى ثلَاثةِ أصُولٍ: 1 – الشِّرْكُ.
2 – الْبِدَعُ.
3 – الْـمَعَاصِي.
وكلَّما عَظُم تخْلِيصُ العَبدِ لنَفْسِه مِن هذه الْـمُنْقِصَاتِ والنَّواقضِ عَظُم تحْقِيقُه لتَوحِيدِه، وكُلَّما نقَصَ حَظُّه مِن السَّلامَةِ منهَا نقَصَ حَظُّه مِن تحقِيقِ توحِيدِه.
* فَائِدَةٌ 17: تَحْقِيقُ التَّوحيدِ لهُ درجَتانِ: * الْأُولَى: درَجةٌ وَاجِبةٌ، وهيَ التِي ترْجِعُ إلى السَّلامةِ مِن النَّواقضِ والـمُنْقصَاتِ الْـمُتقَدِّمةِ؛ فإنَّ تَرْكَ العَبْدِ للشِّرْكِ والبِدَعِ والْـمَعصِيةِ مأمُورٌ بهِ، واجِبٌ علَى كلِّ واحدٍ مِن الْـمُسْلمِينَ.
* الثَّانِيَةُ: درجَةٌ نَافلَةٌ، وحَقِيقَتُها: انجِذَابُ الرُّوحِ إلى اللهِ تعالَى توكُّلًا وإنَابةً ومحبَّةً ورَجاءً، وامْتِلاءُ القَلْبِ بتعْظِيمِ القلْبِ وإجْلَالِه، وكمَالُ الالْتِجَاء إليهِ.
* فَائِدَةٌ 18: قَدْ يَغْتَرُّ الـمُوحِّدُ بتَوحِيدهِ فيُعَاقبُ بسَلْبِهِ.
* فَائِدَةٌ 19: أبْلَغُ آيةٍ في التَّخْوِيفِ مِنَ الشِّرْكِ: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) مِن جِهتَيْنِ:
1 – مِن جِهةِ الـمُتَكلِّم بهَا، وهو إبْرَاهيمُ إمَامُ الحُنفَاءِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ قال إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: ([وَ]مَنْ يَأْمَنُ الْبَلَاءَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ؟).
2 – مِن جهةِ الْـمَدْعُوِّ به؛ فإنَّ إبْرَاهِيمَ عليهِ السَّلامُ دعَا ربَّه بمُجَانَبةِ الشِّرْكِ؛ والدُّعاءُ بالْـمُجانَبَةُ فيهَا مَزيدُ مبَاعدةٍ للمَنْهيِّ عنهُ.
* فَائِدَةٌ 20: إذَا وَرَدَ في الشَّرْعِ فِعْلُ الِاجْتِنَابِ؛ فلا يُرادُ به مُجَردُّ النَّهيِ عنهُ، وإنَّما يُرادُ به أمْرَانِ اثنَانِ:
1 – النَّهْيُ عَنْ ذلِكَ الفِعْلِ.
2 – الْـمُبَاعدَةُ للأَسْبَابِ الْـمُوصِلةِ إليهِ.
* فَائِدَةٌ 21: الشِّرْكُ في اللُّغةِ يَرجِعُ إلى أصْلَيْنِ:
1 – اقْتِرانٌ بالشَّيءِ وعَدمُ انْفِرادٍ.
2 – امْتِدَادٌ واستِقَامةٌ للطَّريقِ.
والـمُرادُ في هذا الْـمَوضِعِ هو الأصْلُ الأوَّل.
أمَّا الشِّرْكُ شَرْعًا: فَهُوَ صَرْفُ شَيْءٍ مِن حُقُوقِ اللهِ لِغَيْرِهِ.
* فَائِدَةٌ 22: يَنْقَسِمُ الشِّرْكُ بِاعْتِبَارِ تعلُّقِهِ بما يجِبُ للهِ عزَّ وجلَّ إلَى ثلاثةِ أقسَامٍ:
1 – شِرْكُ الرُّبُوبِيَّةِ.
2 – شِرْكُ الْأُلُوهِيَّةِ.
3 – شِرْكُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
* فَائِدَةٌ 23: يَنْقَسِمُ الشِّرْكُ بِاعْتِبَارِ قَدْرِه إلى قِسْمينِ:
1 – الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ: صَرْفُ شَيْءٍ مِن حُقُوقِ اللهِ لِغَيْرِهِ يَخْرُجُ بِهِ الْعَبْدُ مِنَ الْـمِلَّةِ.
2 – الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ: صَرْفُ شَيْءٍ مِن حُقُوقِ اللهِ لِغَيْرِهِ لَا يَخْرُجُ بِهِ الْعَبْدُ مِنَ الْـمِلَّةِ.
* فَائِدَةٌ 24: يَنْقَسِمُ الشِّرْكُ بِاعْتِبَارِ ظهُورِه وخفَائهِ إلَى قِسْمَينِ:
1 – شِرْكٌ جَلِيٌّ: وهُوَ الظَّاهرُ للعِيَانِ.
2 – شِرْكٌ خَفِيٌّ: وهو الغَائبُ عن العِيانِ.
فمثَالُ الأوَّلِ: الذَّبْحُ لغَيْرِ اللهِ، وقولُ: مَا شاءَ اللهُ وشِئْتَ، ومثالُ الثَّانِي: التَّوكُّلُ علَى غيرِ اللهِ، والرِّياءُ.
وقدْ يكُونُ كلٌّ مِنْهُما أكْبرَ أو أصْغرَ.
* فمَن جعَلَ الشِّرْكَ الأصْغَرَ هو الخفيَّ ففِي كلامِه نَظرٌ؛ لأنَّه أَصْغرُ باعْتِبَارِ قَدْرِه، وأمَّا الخفَاءُ فأمْرٌ آخَر لا تَعلُّقَ له بهَذَا الـمَأْخَذِ.
* فَائِدَةٌ 25: حَدَّ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ الشِّرْكَ الأصْغرَ بأنَّه: (كُلُّ وَسِيلَةٍ تُوصِلُ إِلَى الشِّرْكِ).
وهذا ليْسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّ هُناكَ مِن الوسَائلِ التِي قد تُفْضِي إلى الشِّركِ ولا تكُونُ مِن جُملَةِ الشِّركِ الأصْغَرِ، بل رُبَّما كانَ مأذُونًا بهَا؛ كصَلَاة النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَى القَبْرِ كمَا ثبَتَ في الصَّحِيحِ؛ فإنَّ الصَّلاةَ علَى الجنَازَةِ في الـمَقْبرَةِ -فِي صُورَتِها الظَّاهرَةِ- قد تُفْضِي إلَى الوقُوعِ في الشِّرْكِ، ولكنْ لَـمَّا كان التَّوهُّمُ فيهَا ضَعِيفًا جاءَ الشَّرْعُ بالْإِذْنِ بهَا.
ومثلُه: الدُّعاءُ للميِّتِ برَفْعِ اليَديْنِ عندَ قَبْرِهِ.
* فَائِدَةٌ 26: يَرجِعُ كمَالُ الإنْسَانِ إلى أصْلَيْنِ اثنَيْنِ كما ذكَره -ابْنُ تَيْمِيَّةَ وابْنُ الْقَيِّمِ وابْنُ رَجَبٍ وابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ الْبَارِي-: الْأَوَّلُ: تكْمِيلُه لنَفسِهِ بالإِيمَانِ والعَمَلِ الصَّالحِ.
الثَّانِي: تَكْمِيلُهُ لغَيْرِه بالدَّعْوةِ والصَّبرِ.
وقَد ذكَرَ اللهُ جلَّ جلَالُه هاتَيْنِ الدَّرجَتَيْنِ في سُورةِ العَصْرِ؛ فقالَ جلَّ وعلَا في وصْفِ النَّاجِينَ السُّعداءِ: (إِلَّا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْـحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).
* وإنَّما رُدَّ الكَمالُ إلى هذيْنِ الأصْلَيْنِ؛ لأنَّ للإنسَان قُوَّتَيْنِ: 1 – الْقُوَّةُ الْعِلْمِيَّةُ: ومَردُّها إلَى العِلْمِ والعمَلِ.
2 – الْقُوَّةُ الْعَمَلِيَّةُ: وَمَرَدُّها إلَى الدَّعوةِ والصَّبْرِ.
* فَائِدَةٌ 27: كلُّ دَعْوةٍ قامَت علَى التَّوحيدِ؛ ظهَرتْ ثِمَارُها وانتفَع النَّاسُ بها، وكلُّ دَعوةٍ لم تَقُم علَى هذا الأصْلِ لم تَجْنِ إلَّا الحَنْظلَ، ولا يزَالُ أتبَاعُها يَجُرُّون أذْيَالَ الخَيْبةِ في الدُّنيَا، ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى ربِّهِم يومَ القيَامةِ فيُنبِّئُهم بما كَانُوا يعْمَلُونَ.
* فَائِدَةٌ 28: ذكَرَ ابْنُ سِعْدِيٍّ أنَّ قولَ الْإمَامِ الْـمُجَدِّدِ: (بَابُ تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهِ) هو عطْفٌ بينَ مُترَادِفَينِ.
ومُرادُه بالتَّرادُفِ هُنا: التَّرادُفُ النَّاقِصُ، الذي يَقعُ فيه اشْتِراكٌ في الـمَعْنَى بينَ اللَّفظَتَيْنِ، أمَّا التَّرادُفُ الكامِلُ الذِي تكُونُ فيه اللَّفظتَانِ مُتسَاوِيتَيْنِ في الْـمَعْنَى مِن كُلِّ وجْهٍ إمَّا نَادرٌ أو معدُومٌ في لسَان العرَبِ؛ لأنَّ العرَب لا تضَعُ اسْمًا لشَيءٍ إلَّا وهيَ تُريدُ منه مَعْنًى لا تُريدُه بالِاسْمِ الآخَرِ.
* وهذهِ القَاعدَةُ نافِعةٌ في بيَان أسْماءِ الله وصِفاتِه؛ لأنَّ مِن النَّاس مَن يُفسِّر الأسْماءَ بَعْضَها ببَعْضٍ، أو الصِّفاتِ بَعضَها ببعْضٍ فَيقَعُ في الغلَطِ في الخبَرِ عن اللهِ سُبحَانهُ وتعَالَى، كمَن يُفسِّر الأسَفَ بالغَضَبِ في قوْلِ اللهِ تعالى: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ)، وهذا لا يكُون أبدًا؛ لأنَّ تَعْدِيدَ الِاسْمَِ أو الصِّفةِ للرَّبِّ عزَّ وجلَّ فيهِ تعْدِيدٌ لكمَالِه، وجَعْلُ الِاسْمِ بمَعْنَى الِاسْمِ، أو الصِّفةِ بمَعْنَى الصِّفةِ، فيه تقْلِيلٌ مِن كمَالِ الرَّبِّ سُبْحانَه وتعَالَى؛ فالغَضَبُ: صِفةٌ، والأَسَفُ: غَضبٌ وزيَادةٌ، ويُعبَّر عنهُ بـ: شِدَّةِ الغَضَبِ.
* فَائِدَةٌ 29: قَوْلُ الْإِمَامِ الْـمُجَدِّدِ: (بَابُ تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهِ) هُو مِن عطْفِ الدَّالِّ على الـمَدْلُولِ؛ فإنَّ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهِ دَالَّةٌ عَلَى تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ، وتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ هو مَدْلُولُ هذِه الكَلمَةِ الطَّيِّبةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهِ.
* فَائِدَةٌ 30: بَوَّبَ الإِمامُ الْـمُجِّدُدُ بَابًا قال فِيهِ: (بَابٌ مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الْـحَلْقَةِ وَالْـخَيْطِ وَنَحْوِهِمَا لِرَفْعِ الْبَلَاءِ أَوْ دَفْعِهِ) وآخرَ هُوَ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّقَى وَالتَّمَـائِمِ).
[والتَّرْجمةُ الأُولَى داخلَةٌ فِي الثَّانِيَةِ، إذِ الأُولَى] اشْتملَت على نَوْعٍ مِن التَّمائمِ؛ ولِانتِشَارِ هذا النَّوعِ وفشُوِّه بينَ النَّاسِ خصَّهُ الْإِمامُ بتَرْجمةٍ مُسْتقِلَّةٍ.
* فَائِدَةٌ 31: الْأَسْبَابُ: الأَشْيَاءُ التِي يُتوَصَّلُ بهَا إلَى الْـمَقْصُودِ، وتَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: 1 – الْأَسْبَابُ الشَّرْعِيَّةُ: وَهِيَ التِي عُلِمَ نَفْعُهَا بِطَرِيقِ الشَّرْعِ؛ كالقُرآنِ والعَسَلِ.
2 – الْأَسْبَابُ الْقَدَرِيَّةُ: وَهِيَ التِي عُلِمَ نَفْعُهَا بِطَرِيقِ الْقَدَرِ؛ كمُسهِّلاتِ البَطْنِ ومُسكِّناتِ الصُّدَاعِ.
* وأَيُّما شَيْءٍ ادُّعِيَ فيهِ السَّبَبِيَّةُ فلابُدَّ مِن ثبُوتِ هذه الدَّعْوَى بأحدِ هذَينِ الطَّريقَيْنِ؛ وإذا لَمْ يُوجَد طريقٌ دالٌّ على صحَّةِ السَّببِيَّةِ عُلِم أنَّ هذا السَّببَ مُدَّعًى لا صِحةَ لَهُ.
ومِن الأسبَابِ الـمُدَّعاةَ: ما يدَّعيهِ بعضُ الرُّقاةِ مِن أنَّ جِلدَ الذِّئبِ نَافعٌ لطَرْدِ الجانِّ!! أو أنَّ الذِّئْبَ يأكُلُ الجانَّ؛ فهَذَا السَّببَ ليْسَ بصَحِيحٍ.
* فَائِدَةٌ 32: كلُّ تَعْلِيقٍ [سَوَاءٌ كانَ خَيْطًا أو حَلْقَةً أو نحوَ ذلكَ]: شِرْكٌ أَصْغَرُ.
ومَا يذكُرُه بَعْضُ أهلُ العلمِ مِن أنَّ التَّعاليقَ قد تكُونُ شِرْكًا أصْغَرَ وقَد تكُون شِرْكًا أكبَر؛ فهَذَا ليْسَ بالنَّظَرِ إلى نَفْسِ التَّعليقِ، بل بالنَّظرِ إلى مُرَادِ مُعلقِّهِ.
* فتَعْلِيقُ الحَلْقَةِ والخَيْطِ: شِرْكٌ أَصْغَرُ، أمَّا فَاعِلُها: فَقدْ يكُونُ مُشْركًا شركًا أَصْغرَ إذَا نظرَ إِليها نظَرَ سَببٍ، وأنَّ التَّقْدِير كلَّه بِيَدِ اللهِ سُبحانه، وقد يكُونُ وَاقعًا فِي الشِّرْكِ الأكْبَرِ إذا اعْتَقَد أنَّها تَدْفَع بِنَفْسِها وتَرْفَعُ.
* فَائِدَةٌ 33: كُلُّ شِرْكٍ أصْغَرَ يُمكِنُ رفْعُه إلَى الأكبَرِ بنِيَّةِ فاعلِه وإرَادتِه.
* فَائِدَةٌ 34: الرُّقَى: العُوذَةُ التي يُعَوَّذُ بها مِن الكلَامِ، وَالتَّمَائِمُ: مَا يُعلَّقُ لتَتْمِيمِ الأمْرِ؛ لجَلْبِ نَفْعٍ أو لدَفْعِ ضُرٍّ.
* وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ: أنَّ التَّمَائِمَ: عُوذَةٌ مَكتُوبةٌ، والرُّقَى: عُوذَةٌ ملْفُوظَةٌ.
* فَائِدَةٌ 35: تَنْقَسِمُ التَّمائمُ إلى قِسْمَيْنِ: 1 – التَّمائِمُ الْـمُحَرَّمةُ: وهي التَّعاليقُ التِي تكُونُ مِن القُرآنِ؛ فإنَّها محرَّمةٌ في أصَحِّ قَولَي أهْلِ العلمِ؛ لأمُورٍ: 1 – لعَدمِ توْقِيرِها.
2 – للدُّخُول بهَا فيما يُنزَّه عنه القُرآنُ.
3 – أنَّها لم تَرِد عن طريقِ الشَّرعِ.
* ولَا يُحكَم علَى هذا النَّوعِ بأنَّه شِرْكٌ؛ لأنَّ فيه الْتِفاتَ القلْبِ إلى شيءٍ مشْرُوعٍ، وهو القُرآنُ، والقُرآنُ: كلَام الله سُبحَانهُ الذِي هو صِفةٌ مِن صفَاتهِ.
وحُكِم بالتَّحْريمِ لأجْلِ ما ورَد مِن العمُومِ في ذمِّ التَّعاليقِ. 2 – التَّمائِمُ الشِّرْكِيَّةُ: وهي التَّعالِيقُ التِي ليْسَت مِن القُرآنِ.
* فَائِدَةٌ 36: تَنْقَسِمُ الرُّقَى إلى قِسْمَيْنِ: 1 – الرُّقَى الشَّرْعِيَّةُ: وقد أجْمعَ العُلماءُ -كما ذكَر ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ الْبَارِي والسُّيُوطِيُّ في الْـحَاوِي- على جوازِ الرُّقيَةِ بثلاثةِ شرُوطٍ: 1 – أنْ تكُونَ بالقُرآنِ أو بأسْماءِ الله وصفَاتِه.
2 – أن تَكُونَ باللِّسانِ العربِيِّ وبما يُعرَفُ معْنَاه.
3 – أن لا يُعتَقَدَ اسْتِقْلَالُها بالتأثِيرِ، بل هيَ خَاضِعةٌ لقدَرِ اللهِ سُبْحانَه وتعالَى.
* وإذا تخلَّفَت بعضُ هذه الشُّروطِ؛ فبَيْنَ أهلِ العِلْمِ نزَاعٌ في مشْرُوعيَّةِ الرُّقيَةِ حِينَئذٍ. 2 – الرُّقَى الشِّرْكِيَّةُ: وهي الرُقَى الْـمُشْتمِلةُ علَى الشِّركِ، وإليهَا أشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوْلِه: (لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا) رواه مُسْلِمٌ.
* والرُّقَى الشِّرْكِيَّةُ: 1 – قَدْ تَكُونُ مِن الشِّرْكِ الأكْبَرِ: إذا اشتَملَت على الاستِغاثةِ بالجنِّ والشَّياطينِ.
2 – وقد تكُون مِن الشِّركِ الأصغَرِ: إذا لم تَشتَمِلْ على ذلكَ، ولكنْ وقَع الِالتِفَاتُ إليهَا فوقَ الْـمَأذُونِ به مِن الشَّرعِ في قاعِدَةِ السَّببِ، وهو الِاطمِئْنَانُ به والِاسْتِبْشَارُ بهِ.
* فَائِدَةٌ 37: التَّبَرُّكُ: تَفَعُّلٌ مِن البرَكةِ، أي: طَلَبُ لهَا.
والْبَرَكَةُ: كثْرَةُ الخيْرِ وثُبُوتُهُ.
* فَائِدَةٌ 38: الْتِماسُ البرَكةِ لابُدَّ فيهِ مِن رعَايةِ قاعِدةِ التَّبرُّكِ، ومَردُّهَا إلى ثلَاثةِ أصُولٍ عظِيمةٍ: 1 – ثُبُوتُ الْبَرَكَةِ فِي الْـمُتَبَرَّكِ بِهِ؛ وطريقُ العِلمِ بهذهِ البرَكةِ: إنَّما هُو أدلَّةُ السَّمعِ مِن أدلَّة القرآنِ والسُّنةِ؛ فلا يُحكَم علَى شيءٍ بأنَّه مُبارَكُ إلَّا لدَليلٍ ورَد في ذلكَ.
2 – وُجُوبُ الْتِمَاسِ الْبَرَكَةِ مِمَّا ثَبَتَتْ بَرَكَتُهُ وَفْقَ الطَّرِيقِ الذِي عَيَّنتْهُ الشَّرِيعَةُ؛ كالبَيْتِ الحرامِ فإنَّ التَّبرُّكَ به جاءَ بطُرقٍ بيَّنها الشَّرعُ الحكِيمُ كالطَّوافِ بِهِ وتَقْبِيلِ حجَرِه الأسوَدِ، واستِلامِ الرُّكنِ اليمَاني، وأشبَاه ذلك.
3 – أَنْ يُنْظَرَ إِلَى الْـمُتَبَرَّكِ بِهِ نَظَرَ سَبَبٍ، ولا يُرفَعُ عن هذَا؛ لجَريانِه تحْتَ قَدرِ اللهِ سُبحَانهُ وتعالَى.
* فَائِدَةٌ 39: حُكْمُ التَّبرُّكِ: يَرجِع إلى قاعدَةِ السَّببِ؛ وقاعِدةُ السَّببِ الـمَأذُونِ فيه: أنْ يُطمأنَّ إِلَيه ويُستبْشَرَ به.
فإذَا زادَ عن هذَا القَدْرِ معَ اعْتِقادِ كونِه سبَبًا، فقَد وقَع في الشِّركِ الأصغَرِ.
أمَّا إنِ اعتَقدَ أنَّه مسْتَقلُّ بالتَّسْبِيبِ -مُسَبِّبٌ بنَفْسه- فيكُون واقعًا في الشِّركِ الأكبرِ.
* فَائِدَةٌ 40: لَمْ يُصَرِّحِ الْـمُصَنِّفُ بِحُكْمِ مَن ذبحَ لغيرِ اللهِ؛ إذْ قالَ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللهِ)؛ معَ أنَّه صرَّحَ في نَظائرِ هذهِ التَّرجمةِ مِن الأَبْوابِ بعدَهُ بذلكَ؛ فقالَ: (بَابٌ مِنَ الشِّرْكِ النَّذْرُ لِغَيْرِ اللهِ)، (بَابٌ مِنَ الشِّرْكِ الِاسْتِعَاذَةُ بِغَيْرِ اللهِ)، (بَابٌ مِنَ الشِّرْكِ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِغَيْرِ اللهِ أوْ َيَدْعُوَ غَيْرَه).
وإنَّما عَمَدَ الْـمُصَنِّفُ إلَى هذَا؛ ليَكُونَ هذَا البَابُ تَوْطِئةً للمُتَلَقِّي بمَعرِفةِ أنَّ صَرْفَ العِبادَاتِ لغَيْرِ اللهِ يكُونُ شِرْكًا، فإذَا تَصَوَّرَ هذَا، سَهُلَ عَليْهِ حِينَئذٍ أن يَحْكُمَ علَى أنَّ صَرْفَ شَيءٍ مِن العِبادَاتِ لغَيْرِ اللهِ يكُونُ كذَلكَ.
* فَائِدَةٌ 41: شِرْكُ الذَّبْحِ نوْعَانِ:
1 – شِرْكُ ذَبْحٍ لِغَيْرِ اللهِ؛ لأنَّ الذَّبحَ يجِبُ أن يكُونَ له وحْدَهُ؛ كما قالَ اللهُ تعالَى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)، فإذَا ذُبحَ لغَيْرِ اللهِ شِرْكًا، وهو شِرْكٌ في الألُوهيَّةِ.
2 – شِرْكُ ذَبْحٍ بِغَيْرِ اللهِ؛ لأَنَّ الذَّبْحَ مأمُورٌ أن يَكُون باسْمِ اللهِ؛ كما قَالَ تَعَالَى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ)؛ فإذَا ذُبِحَ بغَيْرِ اسْمِ اللهِ عزَّ وجلَّ -ولَو كانَ الذَّبْحُ لهُ-، كانَ ذلك شِرْكًا، وهو شِرْكٌ في الرُّبوبِيَّةِ، كمَنْ يَذبَحُ باسْمِ الْـمَسِيحِ أو غيرِهِ -ولوِ اعتَقدَ أنَّ هذهِ الذَّبِيحةَ نَسِيكةٌ وقُربةٌ للربِّ جلَّ وعلَا-.
* وقد يجْتَمعُ هذَان النَّوعانِ، وقد يَنْفرِدُ أحَدُهُما عنِ الآخَرِ؛ فيتَحصَّلُ مِن هذا قِسْمةٌ ثُلاثِيَّةٌ في الذَّبْحِ لغَيْرِ الله وبغَيْرِ اسْمِه تعالَى.
* فَائِدَةٌ 42: (لَا) في قولِ الْإِمامِ الْـمجَدِّدِ: (بَابٌ لَا يُذْبَحُ للهِ بِمَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيْرِ اللهِ) نافِيةٌ، ويجُوزُ أن تكُون ناهِيةً؛ كما ذك ذلك الْإِمَامُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي تَيْسِيرِ الْعَزِيزِ الْـحَمِيدِ وَالْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ في فَتْحِ الْـمَجِيدِ، واسْتَظهرَ كونَها نَاهيةً.
ولو قِيلَ: إنَّها نافيَةٌ، فإنَّ النَّفْيَ يَتَضمَّن النَّهيَ؛ كما قالَ تعَالَى: (الْـحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْـحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْـحَجِّ).
* فَائِدَةٌ 43: نُهِيَ عنِ الذَّبْحِ للهِ بمكَانٍ يُذْبَح فيه لغَيْرِ الله لأَمْرَيْنِ: 1 – تَوَقِّي مُشابَهةِ الْـمُشْركِين فِيما يفْعَلُونَ مِن عِبادَاتِهم؛ لأنَّ الذَّابحَ للهِ في هذا الْـمكَانِ الذِي يُذبَحُ فيهِ لغَيْرِ الله يُوهِم في الصُّورةِ الظَّاهرةِ وقُوعَ الاتِّفاقِ في الفِعْلِ.
2 – حَسْمُ مَوادِّ الشِّركِ، وغَلْقُ الـوسَائلِ الْـمُفْضيَةِ إليهِ.
* وفَاعلُ ذلكَ: قد وقَعَ في مُحرَّمٍ، ذَبِيحتُهُ حَرامٌ لا يجُوزُ أكْلُها؛ لأنَّه وقعَ فِي مُخالفَةِ الشَّريعَةِ في مُجانَبةِ هذَا الْـمَوضِعِ -ولو كانَتْ مذْبُوحةً للهِ تعالَى-.
ويُلْغِزُونَ بِهذَا فيقُولونَ: مَا هِيَ الذَّبِيحَةُ التِي تُذْبَحُ للهِ وَبِاسْمِ اللهِ وَيَحْرُمُ أَكْلُهَا؟ هِيَ الـمَذْبوحةُ بِمكانٍ يُذْبَح فيهِ لغَيْرِ اللهِ.
* فَائِدَةٌ 44: أيُّمَا شَيءٍ أُمِرَ بهِ، أو مُدِحَ فاعِلُه فهُو عبَادةٌ مِن العِبادَاتِ.
* فَائِدَةٌ 45: الأَصْلُ في العَطْفِ: أن يكُونَ للمُغايرَةِ؛ إمَّا لتَغايُرِ الذَّاتِ أو الصِّفَاتِ.
* فَائِدَةٌ 46: الْفَرْقُ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغَاثَةِ: يَرجِعُ إلى النَّظَر في كَوْنِ الدُّعاءِ دُعاءَ عِبادةٍ أو دُعاءَ مَسْألةٍ.
1 – فإذَا كانَ الدُّعاءُ دُعاءَ [مَسْألةٍ]؛ وهُو الـمُتضَمِّنُ لسُؤالِ اللهِ جَلْبَ خَيْرٍ أو دَفْعَ ضُرٍّ؛ حِينَئذٍ يكُونُ الدُّعاءُ عامًّا والِاسْتِغَاثةُ خَاصَّةً، لأنَّها تكُون سُؤَالًا مخصُوصًا بوَقْتِ الشِّدَّةِ، ودُعَاء الـمَسْألةِ: هُو سؤَالٌ فِي كلِّ حِينٍ فِي الرَّخَاءِ أو الشِّدةِ.
2 – وإذَا كانَ الدُّعاءُ دُعاءَ عِبادةٍ؛ وهو امتثَالُ خطَابِ الشَّرعِ بالحُبِّ والذلِّ، كانَتِ الصِّلةُ بينَهُما [بَابٌ مِنَ الشِّرْكِ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِغَيْرِ اللهِ أوْ َيَدْعُوَ غَيْرَهُ] مِن عَطْفِ العَامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ الِاستِغَاثةَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ ما يُتعبَّدُ للهِ به.
* وكَيْفَما كانَ؛ فبَيْنَ الدُّعاءِ والِاستِغاثَةِ عمُومٌ وخصُوصٌ؛ فالدُّعاءُ: أعَمُّ، والِاستِغَاثةُ: أخَصُّ.
* فَائِدَةٌ 47: مِن مُقتَضَى الولَاءِ والبرَاء: تَرْكُ التَّسَمِّي بالأسْماءِ الخَاصَّةِ بالـمُشْركِينَ.
* فَائِدَةٌ 48: ذَكَرَ إمامُ الدَّعوةِ في بعْضِ أجْوبتِه أنَّ أقَلَّ مُدةٍ ممكِنةٍ لدرَاسةِ التَّوحِيدِ هي أربَعُ سنَواتٍ؛ هذَا مع الدَّرْسِ الشَّديدِ، والتَّأكيدِ البَليغِ، وإدْمَانِ النَّظرِ في الْـمَسائِلِ والكَشْفِ عنْهَا، وعَقْلِ دلَالاتِ النُّصوصِ علَى مسَائلِ التَّوحيدِ.
وأمَّا معَ درَاسةِ هذا العَصْرِ فإنَّهُ لا يُمكِن للإنسَانِ أن يَقِفَ علَى مسَائلهِ إلَّا بعْدَ عشَراتِ السِّنينَ، كيْفَ إذَا انْضَمَّ إلى ذلكَ ما غلَبَ على النَّاسِ مِن الهوَى والدُّنيَا والرُّكونِ إلى أهْلِ الكُفْرِ، والإعجَابِ بالْـمقَالاتِ التِي تجْرِي علَى ألْسِنةِ ما يُسمَّى بالْـمُثقَّفِينَ والْـمُفكِّرينَ.
* فَائِدَةٌ 49: لَـمَّا كان السَّلفُ على مَرتبَةٍ عظِيمةٍ مِن كمَالِ التَّوحيدِ؛ صارَ مِن أحْوَالهم مَا يَسْتَبْشعهُ بعضُ النَّاسِ، فقَدْ كانَ بعْضُ السَّلفِ إذَا مَرُّوا بأحَدٍ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ غَطَّوْا وجُوهَهم كَراهيَّةَ أن ينْظُروا إلَى أحَدٍ من أهْلِ النَّارِ.
يتبع
مُحبة الرحمن
11-29-2010, 06:06 PM
فوائد جليلة جزاكم الله خيراً
واصل أخي فنحن مُتابعون بإذن الله
نتابع باذن الله تكملة الفوائد من كتاب شرح كتاب التوحيد للعصيمي
* فَائِدَةٌ 50: بَيَّنَ إمَامُ الدَّعوَةِ مِن قولِهِ: (بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) إلى قولِهِ: (بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ)؛ -بَيَّنَ- بَراهينَ التَّوحيدِ وأدلَّتَه.
* وقاعِدةُ برَاهينِ التَّوحيدِ النَّقليَّةِ والعَقليَّةِ ترجِعُ إلى أصْلٍ واحدٍ: وهو الفَرْقُ بين الخالِقِ والْـمَخلُوقِ؛ فإنَّه مَن وقفَ على الفَرْقِ بين الخالِقِ والْـمَخلُوقِ؛ تَـمثَّلتْ له بَرَاهينُ التَّوحيدِ ظَاهِرةً جَلِيَّةً.
وهذا الأَصْلُ -وهُوَ الفَرْقُ بين الخالِقِ والْـمَخلُوقِ- له رُكنَانِ:
1 – مَعْرِفَةُ كمَالِ الخَالِقِ ومَا يَليقُ بجَلالِه.
2 – مَعْرِفَةُ قدْرِ الْـمَخْلُوقِ وما يُناسِبُ حَالَه.
* فَائِدَةٌ 51: اشْتملَ قولُ اللهِ تعالى: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْـحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) علَى بيَان ما يَليقُ بالرَّب جلَّ جلَالُه، وعلى بيَانِ ما يُناسِبُ حَال الْـمَخْلُوقِ وهو الْـملَائكَةُ. 1 – فأَمَّا ما يَلِيقُ بجَلالِ الربِّ جلَّ وعلَا فهُو ما انْطَوتْ عليهِ مِن التَّعظِيمِ في قولِ الْـملَائكَةِ: (قَالُوا الْـحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)؛ فأخْبَرُوا أنَّ قولَ اللهِ جلَّ وعلَا حقٌّ، وأنَّه سُبحَانهُ مُتَّصفٌ بالعلُوِّ والكبرِ.
2 – وأمَّا الدَّلالةُ علَى قدْرِ الْـمَخلُوقِ، فذلكَ في حَال الْـملَائكةِ؛ قال تعالَى: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ)، لبيَانِ ما يَعتَرِي أفْئدَةَ الْـملَائكةِ مِن الرَّوعِ عنْدَ سمَاعِ كلَامِ الربِّ سُبحَانهُ، وما يَنْتَابُهم مِن تغَيُّر الحالِ.
* فَائِدَةٌ 52: الْـمُشْركُون وقَعُوا في شِرْكِ الشَّفاعةِ؛ لأنَّهم أسْقطُوا الفَرْقَ بَيْنَ الْـخَالِقِ وَالْـمَخْلُوقِ فِيهَا، فجعَلُوا الشَّفاعةَ عندَ اللهِ سُبحَانه بمَنزِلةِ الشَّفاعةِ عندَ الْـملُوك العاجِزينَ؛ فقَاسُوا الخَالقَ بالْـمخْلُوقِ.
فإنَّ ملُوكَ أهلِ الأرْضِ يحتَاجُون إلى الشُّفعاءِ الذِينَ يُنبِّهُونَهُم علَى حاجةِ النَّاسِ ويَعطِفُونَ قلُوبَهُم عليهم، فألحَقُوا هذهِ الْـمُشابَهةَ بالرَّبِّ تعالَى، فجعَلُوا الشَّفاعةَ عندَه كالشَّفاعةِ عند الْـملُوكِ، فوقَعُوا في الغلَطِ علَى مقَامِ الرَّبِّ جلَّ جلالُه؛ إذْ أسْقَطُوا الفَرقَ بَيْنَ الْـخَالِقِ وَالْـمَخْلُوقِ في الشَّفاعةِ.
* فَائِدَةٌ 53: الشَّفاعَةُ في كتُبِ التَّوحيدِ إذا أُطْلِقَت يُراد بها: الشَّفاعةُ التِي عندَ اللهِ، وأمَّا الشَّفاعةُ التِي تكُونُ عند الْـمخْلُوقِين فلَيْسَ محَلَّ بَحثِها كتُبُ التَّوحيدِ، وإنَّما يَبْحثُها الفقهاءُ.
* والشَّفَاعَةُ عِنْدَ اللهِ: هِيَ سُؤَالُ الشَّافِعِ للهِ تَعَالَى جَلْبَ خَيْرٍ لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أَوْ دَفْعَ ضُرِّ عَنْهُ، وهذه الحقيقَةُ مُركَّبةٌ مِن أمورٍ أربعَةٍ:
1 – أنَّ الشَّفاعةَ طلَبٌ وسُؤالٌ ودُعاءٌ؛ فلابُدَّ أن يتَقدَّمَ بالشَّفاعةِ عند الله سُبحَانه طَالبُها وهو الشَّافعُ.
2 – أنَّ هذه الشَّفاعَةَ عنده سُبحَانهُ تَصْدُر مِن شَافعٍ وهو مَنْ أثْبتَ له حَقَّ الشَّفاعةِ في الكتَابِ والسُّنةِ.
3 – أنَّ هذَا السُّؤالَ مُتَوجَّهٌ بهِ إلى الرَّبِّ جلَّ وعلَا لا إلَى غَيْرِه؛ فلا يُقْصَدُ بطَلَبِ الشَّفاعَةِ إلَّا اللهُ، فمَن قصَد بالشَّفاعةِ غَيرَه فقد صَرفَ شيئًا مِن حقِّ الله تعالى لغَيرِه؛ لأنَّ الشَّفاعةَ مُلكُه ولَا تُطلَب إلَّا منهُ.
4 – أنَّ الْـمُرادَ منهَا تَحصِيلُ نفْعٍ أو دفْعُ ضُرٍّ لِـمَن شُفِعَ لهُ.
* فَائِدَةٌ 54: جاءَت مَسْألةٌ فِي الصَّحيحَينِ وهيَ: إثْباتُ أنَّ اللهَ تعالى يَشْفَعُ؛ فإنَّ أعظَمَ الشُّفعاءِ هو اللهُ تعالَى، فيَشْفَعُ الربُّ جلَّ وعلا لِـمَن شاءَ عنْدَ نَفسِه؛ وهذا كقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ)؛ فإنَّ الرِّضَا والسَّخَط كِلَيْهِما مِن صفَات اللهِ تعالى، فاستَعاذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن هذه الصِّفةِ بتلك الصِّفةِ؛ وكذلك فإنَّ الربَّ جلَّ وعلَا يشْفَعُ عند نَفْسِه لِـمَن يشَاءُ مِن خَلْقِه.
* فَائِدَةٌ 55: يُقالُ: (الْآيَتَانِ يُتَوَهَّمُ مِنْهُمَا التَّعَارُضُ)، ولا يُقالُ: (الْآيَتَانِ تُوهِمَانِ التَّعَارُضَ)؛ لأنَّ آيَ الكتَاِب لا يُوهِم شَيءٌ منهَا بَاطلًا، وإنَّما يكُون التَّوهُّمُ باعتبَار النَّاظِر.
* فَائِدَةٌ 56: قولُ بعضِ النَّاسِ عن أقوَالِ الصَّحابةِ: (إِذَا تَعَارَضَتْ تَسَاقَطَتْ) سُوءُ أدبٍ مع الصَّحابةِ رضْوانُ الله علَيْهم في جَلالةِ قَدْرِهم، وإنَّما يُقال: (إِذَا تَعَارَضَتْ ارْتَفَعت) أي: ارتفَعَتْ عن الاحتِجاجِ بها على وجْهِ الِاسْتِقلَالِ.
* فَائِدَةٌ 57: لَا يُفلِحُ في العِلْمِ إلَّا مَن كانَ مُتأدِّبًا.
* فَائِدَةٌ 58: الْغُلُوُّ: هو مُجاوَزةُ الحدِّ الْـمأذُونِ فيهِ؛ لأنَّ حدُودَ الله نوعَانِ:
1 – حدٌّ أُذِن به، فيُنْتَهَى إليهِ، وفيه قولُ اللهِ تعَالَى: (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا).
2 – حَدٌّ نُهيَ عن قُربَانِه، فيُوقَف دُونَه، وهو الْـمذْكُورُ في قولِه تعالَى: (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا).
* والْغُلُوُّ: مُتعَلِّقٌ بالحدِّ الأوَّلِ، فيكونُ أصْلُه مَأذونًا فيهِ، ثُمَّ يتَمادَى التَّعظِيمُ بأصحَابهِ حتَّى يُبلِّغَهُم إلى مُجاوزَة الحدِّ الذِي أُذِن فيهِ.
* فَائِدَةٌ 59: ما يقَعُ مِن النَّاسِ عندَ القبُورِ ينْقَسِم إلى قِسْمَينِ: 1 – الْـمَشْرُوعُ، وهو ما أَذِنَت به الشَّريعةُ ممَّا يرجِعُ إلى نفْعِ الزَّائر والـمَزُور. 1 - أمَّا مَنْفَعَةُ الزائِرِ: فَبِتَرْقِيقِ قلْبِه وتذَكُّرِه الآخِرةَ والإحسَانِ إلى إخوَانِه.
2 - وأمَّا مَنْفَعَةُ الْـمَزُورِ، فبِسَلامِ الزَّائرِ عليهِ، ودُعَائِه واستغْفَارِه لهُ.
2 – الْـمَمْنُوعُ، وهو ثلاثَةُ أنواعٍ: 1 – مَا يَكُونُ شِرْكًا أَكْبَرَ: كالِاسْتغَاثةِ بالـمقْبُورِين، ودُعَائهِم وطلَبِ الحوائِجِ منْهُم؛ فإنَّ هذَا كلَّهُ شِركٌ أَكْبرُ، لا فَرْقَ بينَ اعتِقَادِ فاعلِ ذلكَ أنَّهُم مُسْتقِلُّون بأنفُسِهم بالتَّأثيرِ أو وسَائطُ عند اللهِ تعالَى.
2 – مَا يَكُونُ شِرْكًا أَصْغَرَ: كمَن قصَدَ بُقعةً من هذه البِقَاعِ أو مشْهدًا مِن الـمشَاهدِ مِن قبُورِ الأولِياءِ والصَّالحينَ لِيَدْعُوَ اللهَ عندَها، فهو يرَى أنَّ الأَمْرَ كلَّه بيَدِ الله، لكنَّه اتَّخذَ سبَبًا غيرَ مشرُوعٍ للتَّبرُّكِ.
3 – مَا يَكُونُ حَرَامًا لَا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ وَلَا الْأَكْبَرِ: بإسْرَاجِ القبُورِ وزخرَفَتِها، وقد تكُونُ هذه الأفْعَالُ الْـمُحرَّمةُ كبِيرةً وقد تكُونُ صَغِيرةً.
* فَائِدَةٌ 60: خَصَّ الإمامُ الْـمُجدِّدُ حمَايةَ جنَابِ التَّوحيدِ بالْـمُصطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع كَونِها موجُودةً في كلامِ الله تعالَى؛ لأمْرينِ:
1 – أنَّ الْـمُصطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان هو أولَ قَائمٍ بها في هذه الأُمةِ؛ فاستَحقَّ أن يُفْرد بالذِّكرِ في هذه التَّرجمةِ.
2 – لأنَّ كثِيرًا ممَّن زلَّ في بابِ التَّوحيدِ وقَع زَلَلُـهُ في تعْظِيم النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والغُلوِّ فيه فوقَ القَدْرِ الذي أذِنت به الشَّريعةُ، فنَاسبَ الْـمَقامُ تخْصِيصَ الْـمُصطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالذِّكْر بيَانًا لجِهادِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حمايةِ التَّوحيدِ.
* فَائِدَةٌ 61: حِمَايَةُ الشَّريعةِ للتَّوحيدِ جاءت علَى ثلاثةِ أنواعٍ:
1 – حِمَايَةُ نَفْعٍ، وذلكَ بإمدَادِ القَلْبِ بالأسْبابِ التي تُقوِّي التَّوحيدَ وتُنمِّيه فيهِ.
2 – حِمَايَةُ دَفْعٍ، وذلِكَ بإحْرَازِ القَلْب مِن غوَائلِ الشِّرْكِ وحبَائلِه، وحسْمِ مَوادِّه، وسدِّ الذَّرائعِ الْـمُوصلَةِ إليهِ.
3 – حِمَايَةُ رَفْعٍ، وذلكَ بالْإِرْشَادِ إلَى الأسْبَابِ التِي يُدفَعُ بهَا ضِدُّ التَّوحيدِ إذَا وقَعَ.
* ومِثَالُ ذَلِكَ: الْـحَلِفُ، فإنَّ اللهَ تعَالى ونَبيَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَوْها بهذه الأوجُهِ الثلاثةِ:
1 – فأمَّا حِمَايَةُ النَّفْعِ: فذلكَ في قولِ الله تعالَى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ)، وقولِه: (وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ)؛ فإنَّ الإرشَادَ إلى حِفْظِ اليمِينِ وعدَمِ التَّساهُلِ بها، يَمُدُّ القَلبَ بقُوَّةٍ تمنَعُ العَبْدَ مِن التَّهاوُنِ في ذلكَ.
2 – وأما حِمَايَةُ الدَّفْعِ: ففِي قولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -كما فِي الصَّحيحِ-: (لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ)؛ فنُهِي العَبْدُ عن هذهِ الغَائلةِ لِيُدْفَع عنهُ ما يُضعِف توحِيدَه.
3 – وأما حِمَايَةُ الرَّفْعِ: ففِي قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالعُزَّى فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ)؛ فهذا إرشَادٌ إلى ما يُرفَعُ به ضدُّ التَّوحيدِ لَـمَّا وقَعَ
* فَائِدَةٌ 62: أحْسَنُ ما قِيلَ في حَدِّ الوثَنِ: اسْمٌ جامِعٌ لكلِّ ما عُبِد مِن دُون اللهِ.
* فَائِدَةٌ 63: الْوَثَنُ والصَّنَمُ إذا افتَرقَا دلَّ كلُّ واحدٍ منْهُما علَى الآخرِ، وإذا اجتَمعَا كان الصَّنمُ مخصُوصًا بمَا له صُورةٌ، والوثَنُ مخصُوصًا بما ليسَتْ له صورَةٌ، كما أفادَهُ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ.
* فَائِدَةٌ 64: سُمِّيت النَّمِيمةُ سِحْرًا لشَيْئينِ:
1 – بالنَّظَر إلَى مَبْدئِها؛ فإنَّها تكُونُ في سِرٍّ وخفَاءٍ، وكذلكَ العَزائمُ والرُّقى الشَّيطانيَّةُ إنَّما تُعْقَد في سِرٍّ وَخَفَاءٍ.
2 – بالنَّظَرِ إِلَى مُنْتَهَاهَا؛ وهو التَّفرِيقُ بينَ النَّاسِ، كالزَّوْجِ وزَوْجِه.
فلَمَّا وقَع الْـمُشَاركَةُ للنَّميمَةِ معَ السِّحْرِ في الْـمَبدَأِ والْـمُنتَهَى سُمِّيَت حينَئذٍ سِحْرًا.
* فَائِدَةٌ 65: سُمِّي الحَلُّ بالنُّشرةِ؛ لأنَّ الِانتِشَارَ -فِي الأصْلِ-: التَّفرِيقُ، فكأنَّ الحالَّ للسِّحْرِ بنَشْرِه يُفرِّقُهُ عن الْـمَسْحُور.
* فَائِدَةٌ 66: تَنْقسِمُ النُّشرَةُ إلى قِسْمَيْنِ [وهَذَا حَاصلُ كلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ]:
1 – حَلُّ السِّحْرِ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ.
2 – حَلُّ السِّحْرِ بالرُّقَى والأَدْويَةِ الْـمُبَاحةِ، فهَذَا جَائِـزٌ.
* فَائِدَةٌ 67: تَشْترِكُ الطِّيَرةُ والسِّحْرُ: فِي الرُّكونِ إلَى دَعْوى عِلْمِ الغَيْبِ.
* فَائِدَةٌ 68: عرَّفَ بعضُ أهلِ العلمِ الطِّيَرَةَ بأنَّها: التَّشَاؤمُ بالطيُورِ والأسمَاءِ والألفَاظِ والبِقَاعِ والأَشْخَاصِ وغَيرِها.
وهذا التَّعرِيفُ لا تُسَاعِد عليهِ اللُّغَةُ؛ فإنَّ العَربَ لا يَقْصرُون الطِّيَرة علَى ما يُتشَاءَم بهِ، بل مَا يَحْمِلُ علَى الإقْدَامِ والإحْجَامِ عندَهم يُسمَّى: طِيَرَةً.
فالصَّحيحُ أن يُقالَ في الطِّيَرَةِ: إنَّها ما يُقصَدُ للحَمْلِ علَى الإقْدَامِ والإحْجَامِ.
* وأصْلُهُ عندَ العرَبِ: زجْرُ الطَّيْر، فإنَّ العرَبَ كانُوا إذَا أرَادُوا أمْرًا زجَرُوا الطَّيرَ، فإذَا أقْبَلتْ أقدَمُوا عليهِ، وإذَا أدْبَرَت أحْجَمُوا عليهِ.
* فَائِدَةٌ 69: ذُمَّتِ الطِّيَرَةُ فِي الشَّرِيعَةِ لِأَمْرَيْنِ:
1 – مَا فِي الرُّكونِ إليهَا مِن ضَعْفِ التَّوكُّلِ علَى اللهِ تعَالَى.
2 – مَا فيهَا مِن الإخْلَادِ إلَى سَببٍ غيرِ مُعتَدٍّ بهِ شَرْعًا ولا قَدَرًا.
وبهَذَا يتبيَّن أنَّ الطِّيَرَةَ مِن جُملةِ الشِّركِ الأصغَرِ إذَا جُعِلَ ما حَمَلَ على الإقْدَام أو الإحْجَامِ سبَبًا لذلكَ، مع أنَّه لم تَثْبُت سَبَبيَّتُه لا شَرْعًا ولا قَدَرًا، أمَّا إذا اعتقَدَ أنَّ الْـمُتطيَّر به مُسْتقِلٌّ بالتَّأثيرِ تكُون الطِّيرةُ شِرْكًا أكبَر.
* فَائِدَةٌ 70: الفَألُ: (الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ)، ولا يَخْتصُّ الفَألُ بذلكَ، وإنَّما الكَلمَةُ أظْهَرُ أنواعِه.
ومِن صُوَرِ الفَألِ: الحَالُ الْـحَسَنُ، أو الوجْهُ الْـحَسَنُ، أو الْأمْرُ الْـحَسَنُ.
* فَائِدَةٌ 71: الفَألُ ليْسَ مِن الطِّيرةِ في شيءٍ؛ لأنَّه ليسَ مُحرِّكًا على الْإِقْدَامِ أو الْإحْجَامِ، بل العَبْدُ قد تحَرَّك قبْلَ ذلك ثُمَّ سَمِعَ ما يُنشِئُ السُّرورَ والنَّشاطَ في ذلكَ فزَادَ إقدَامُه على الأمْرِ.
* فَائِدَةٌ 72: ينْقَسِم التَّنجيمُ إلى نوعَيْنِ:
1 – عِلْمُ التَّأْثِيرِ: وهو اعتِقادُ تأثِيرِ هذه النُّجُوم على الحوَادثِ الكَونيَّةِ، وهذا النَّوعُ ينقَسِمُ إلى ثلاثةِ أقسَامٍ: 1 – اعتِقَادُ كونِها مستقلَّةً بالتأثيرِ بنفْسِها، مُدبِّرةً للكَوْن بحركَاتِها، وهذا كُفْرٌ مُخْرِجٌ من الدِّينِ بإجمَاع الْـمُسْلمينَ، وهو شِرْكُ الصَّابئةِ الذِي بُعِث فيهِم إِبْرَاهِيمُ عليهِ السَّلامُ.
2 – اعْتِقَادُ كَوْنِهَا مُرْشِدةً للغَيْبِ دَالَّةً عليه مُفْصِحةً عنهُ بائْتلَافِها وافتِراقِها، وهذَا أيضًا كُفرٌ بإجمَاع أهْلِ الإسلَامِ.
3 – اعْتِقَادُ كونِهَا أسْبابًا للحوَادثِ غيرَ مُسْتقِلةٍ بالتَّأثيرِ، بل تابعَة لتَقْديرِ اللهِ سُبحانَه وتعَالى، وهذا القِسْمُ مما وقعَ فيه الِاختلافُ بينَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وأئمَّةِ الدَّعوةِ النَّجْدِيَّةِ؛ فإنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يُصحِّحُ وُجودَ شيءٍ مِن حركَةِ الكوَاكب سبَبًا مُؤثِّرًا، بلْ قالَ: (ومَن زعمَ أنَّ حركاتِ الكوَاكبِ لا تأثِيرَ لها فهُو قولٌ بلَا علمٍ، وليسَ في النُّصُوص الشَّرعيةِ ما يدُلُّ عليهِ، بل النُّصُوصُ على خلافِه)، واستَدلَّ على ذلكَ بأدِلَّةٍ، منها ما جاءَ في الكسُوفِ الخسُوفِ مِن قولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ يُخَوِّفُ اللهَ بِهِمَا عِبَادَهُ)، وبقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَائِشَةَ لَـمَّا رأَى القمَرَ: (تَعَوَّذِي بِاللهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الْغَاسِقِ إِذَا وَقَبَ).
وأمَّا أئمَّةُ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ فهُم مُطْبقُون علَى نفْيِ جَعْلِ الكوَاكبِ سبَبًا لشَيءٍ مِن الحوَادثِ.
* ولَعَلَّ سوَاءَ السَّبيلِ بينَ القَولَيْنِ بأنْ يُقالَ: إنَّ مِن حرَكَاتِ الكَواكِبِ ما يكُونُ سبَبًا لشيءٍ مِن الحوادِثِ، لا كلُّ حرَكاتِها، وإنَّما منعَ أئمةُ الدَّعوَةِ عدَّها أسبَابًا؛ لعَظِيم ما صَار إليه النَّاسُ مِن التَّعلُّقِ بها والرُّكُون إليْهَا؛ فحَسْمًا لِـمادَّة الشِّرك وسَدًّا لذرِيعَتِه مَنَعُوا عَدَّ شيءٍ منهَا سبَبًا مِن الأسْبَابِ للحوَادثِ الكَونِيَّةِ.
إلَّا أنَّ الأدلَّةَ جاءَتْ بإثْبَاتِ التَّسْبيبِ في جُملةٍ مِن حركَاتِها لَا كلِّ حَركَاتِها.
2 – عِلْمُ التَّسْيِيرِ: وهو الِاستِدْلالُ بحركَاتِ الكوَاكبِ علَى ما يَحْتاجُ إليه النَّاسُ مِن الِاهتِداءِ إلَى القِبْلةِ والأوقَاتِ والجهَاتِ، فهذا جَائزٌ لا شَيءَ فيه في قولِ جُمهُور أهْلِ العِلْمِ.
* فَائِدَةٌ 73: تَعْلِيقُ الْأَمْطَارِ بِالْأَنْوَاءِ على ثلَاثةِ أقسَامٍ: 1 – تَعْلِيقُ تَسْبِيبٍ؛ بأنْ يَعتَقِد أنَّ النَّوءَ بنَفسِه مسَبِّبٌ للمطَر، مُفيضٌ له؛ وهذا شِرْكٌ أكْبرُ مُخْرِجٌ مِن الْـملَّةِ.
2 – إِضَافَةُ سَبَبِيَّةٍ، بأنْ لَا يَعتَقِدَ أنَّ النَّوءَ مُسَبِّبٌ بنفسِهِ، وإنَّما هو سَبَبٌ للمَطرِ؛ وهذا شِرْكٌ أصغَرُ عند أئمَّةِ الدَّعوةِ النَّجديَّةِ، وفيهِ بَحْثٌ [أيْ: نَظَرٌ].
3 – إِضَافَةُ عَلَامَةٍ وَتَوْقِيتٍ، بأنْ لا يُرادَ -بإضَافةِ الْـمطَرِ إلى النَّوءِ- كَوْنُ ذلك النَّوْءِ سبَبًا ولَا مُسبِّبًا له، وإنَّما هو علامَةٌ دالَّةٌ عليهَا، وهذا جَائزٌ لا تَثْرِيبَ علَى قائلِهِ؛ كما تقُولُ العربُ: (إِذَا طلَعَ سُهَيْلٌ فَلا تَأْمَنَنَّ السَّيْلَ)؛ لأنَّ ظهورَ سُهَيْلٍ عَلَامةٌ عَلَى وفُود السُّيولِ وكثرَتِها.
ومِن ذلِكَ قولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا طَلَعَ النَّجْمُ ارْتَفَعَتِ الْعَاهَةُ عَنْ كُلِّ بَلَدٍ)، وهُو حدِيثٌ مُخرَّجٌ في مُسنَد أَحْمَدَ، وفَوَائِد تَمَّامٍ الرَّازِيِّ، والتَّدْوِينِ فِي تَارِيخِ قَزْوِين بأسَانيدَ يشُدُّ بعضُها بعضًا، وقد حَسَّنهُ جمَاعةٌ مِن أهلِ العلمِ.
والنَّجْمُ -فِي هذَا الحديثِ- هو الثُّرَيَّا؛ لأنَّ العرَبَ إذَا أطْلَقَت النَّجمَ لم تُرِد به إلَّا الثُّرَيَّا.
* لَطِيفَةٌ: مِن لَطِيفِ مَا يُذكَرُ ممَّا يتعلَّقُ بهذَا الحديثِ شَيْئَانِ اثْنانِ، يُبيِّنانِ أنَّ صِناعةَ العِلْمِ لا تُوقَفُ عندَ حَدٍّ، ولا ينْتَهِي شِبَعِ طالِبِ العِلْمِ منهُ حتَّى يكُونَ مُنتهَاهُ إلى الجنَّةِ. أُولَاهُمَا: الْإِمَامُ الْبَاجِيُّ صرَّح في كتَابِه: الْـمُنْتَقَى، بأنَّ هذا الحديثَ لا يُعرَفُ له مخْرَجٌ، ولا يُدْرَى عن سنَدِه، وهو مُتعَقَّبٌ بكَونِه مُخَرَّجًا في كتابٍ شهيرٍ هو مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
ثَانِيهِمَا: أنَّ جمَاعةً مِن الحفَّاظِ الكِبارِ، منهُم ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ الْبَارِي، والْعَيْنِيُّ في عُمْدَةِ الْقَارِي، والسَّخَاوِيُّ في الْـمَقَاصِدِ الْـحَسَنَةِ، عزَوْا هذا الحديثَ لِسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
قال الشَّيْخُ صَالِحٌ الْعَصيمِيُّ: (ولم أجِدْهُ في شيءٍ مِن نُسخِه، ولا رَأيْتُ أحدًا ممَّنْ صنَّفَ في أطرَافهِ ولا رجَالهِ ذكَرَ هذا الحديثَ؛ فمَنْ وجَد هذا الحديثَ فَلْيُفدْنَا بهِ وله منَّا جائزَةٌ عظِيمَةٌ!).
* فَائِدَةٌ 74: بدَأ الإمَامُ الْـمُجدِّدُ في بيَانِ جُملةٍ مِن العِبادَات القَلبِيَّةِ بـ: (بَاب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ).
وإنَّما ابتَدأ ببَيانِ عبَادةِ الْـمَحَبَّةِ لأنَّها أصلُ جميعِ أنوَاعِ العبُوديَّة؛ فإنَّ أعظَمَ صلَةٍ بينَ الخالِقِ والْـمَخلُوقِ هي محَبةُ الخالِقِ لعَبْدِه، ومحبَّةُ العَبْدِ لربِّهِ سُبحَانهُ وتعالَى؛ ولذلكَ فإنَّ كلَّ عِبادةٍ لها حَدٌّ تنْتَهِي إليهِ، إلَّا عبادَةَ الْـمَحبَّةِ، كما ذكَر ذلكَ ابْنُ رَجَبٍ في كتابهِ: التَّخْوِيفُ مِنَ النَّارِ وَالتَّعْرِيفُ بِحَالِ دَارِ الْبَوَارِ.
* فَائِدَةٌ 75: الْـمَحَبَّةُ قسْمانِ:
1 – الْـمَحَبَّةُ التِي لَا تَتَعَلَّقُ بِالْـخِطَابِ الشَّرْعِيِّ ابْتِدَاءً، وهي الْـمَحَبَّةُ الطبِيعيَّةُ، كمحبَّةِ الرَّجُلِ لولَدِه أو مالِه أو زَوجِه أو طعَامهِ أو نَومِه؛ فإنَّ هذه الْـمَحَبَّةَ في أصْلِها لا يَتعلَّق بها خِطابُ الشَّرْعِ؛ لجرَيانِها مُوافِقَةً لطبائِعِ النَّاسِ، فهي ممَّا يشْتَرِكُ فيهَا الْـمُؤمِنُ والكافرُ والبَرُّ والفاجِرُ.
2 – الْـمَحَبَّةُ التِي يَتَعَلَّقُ بِهَا خِطَابُ الشَّرْعِ، فتَدُورُ معه أمْرًا ونَهيًا، وهذا القِسْمُ نوعانِ:
1 – الْـمَحَبَّةُ الْـمَشْرُوعَةُ؛ أيِ: التِي أَذِن بها الشَّرْعُ وأمَرَ، وتنقَسِمُ إلى قسْمَيْنِ: 1 – مَـحَبَّةُ اللهِ.
2 – مَـحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ، ومنه: الْـمَحَبَّةُ فيهِ.
2 - الْـمَحَبَّةُ الْـمَمْنُوعَةُ؛ أيِ: التِي منَعَ منْهَا الشَّارعُ، وَتَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: 1 – مَـحَبَّةُ غَيْرِ اللهِ مَحَبَّةَ تَأْلِيهٍ وَتَعْظِيمٍ، وهي شِرْكٌ أكْبرُ مخْرِجٌ مِن الْـمِلَّةِ.
2 – مَـحَبَّةُ مَا يَكْرَهُهُ اللهُ وَيَأْبَاهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وهذه تَتنوَّع أحكَامُها بينَ الشِّرْكِ الأكبَرِ والأَصْغَرِ والتَّحْريمِ.
* فَائِدَةٌ 76: الْـخَوْفُ ينْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ:
1 – الْـخَوْفُ مِنَ الْـخَالِقِ، وهذا نوعَانِ اثنَان: 1 – خَوْفٌ مِنَ الْـخَالِقِ مَنْشَؤُهُ: تَعْظِيمُهُ وَإِجْلَالُهُ، وهذا خَوفُ كُمَّلِ الـموَحِّدينَ.
2 - خَوْفٌ مِنَ الْـخَالِقِ مَنْشَؤُهُ: خَشْيَةَ نِقْمَتِهِ وَسَوْطِ عَذَابِهِ، وهذَا ممَّا يُنافِي كَمالَ التَّوحيدِ الواجِبِ؛ فإنَّ اللهَ تعالَى لا يُخافُ لأجْلِ دفْعِ حلُولِ نِقَمِه وعَذابِه، بل يُخافُ تعالى تعْظِيما لشَأنِهِ وإجلَالًا لقَدرِه.
2 – الْـخَوْفُ مِنَ الْـمَخْلُوقِ، وهذا قسْمَانِ: 1 – خَوْفٌ مِنَ الْـمَخْلُوقِ يَشْتَمِلُ على التَّألُّه لهُ، فهَذا شِرْكٌ أكبَرُ مُخرِجٌ مِن الْـمِلَّةِ.
2 – خَوْفٌ مِنَ الْـمَخْلُوقِ لِأَسْبَابٍ يَنْعَقِدُ بهَا، وهو الذِي يُسمَّى بالخوْفِ الطَّبيعِيِّ، وهذا ثلاثةُ أقْسَامٍ:
1 – أَنْ يَكُونَ سَبَبُ التَّخْوِيفِ ظَاهِرًا، كمَن يخافُ مِن سَبُعٍ أو حَيَّةٍ أو عدُوٍّ غَاشمٍ، فهذا لا يقْدَحُ في حالِ العبْدِ.
2 – أَنْ يَكُونَ سَبَبُ التَّخْوِيفِ ضَعِيفًا [كمَن يخافُ مِن هوامِّ الأرض الضَّعيفةِ كالخُنفُساء مثلًا، فهذا جُبنٌ، وحُكمُهُ: الكَراهةُ، إلَّا أن يَتعلَّق بحقِّ الله مع القُدرة عليه فإنَّه يكونُ محرَّمًا].
3 – [أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مُتَوَّهَّمًا لَا أَصْلَ لَهُ؛ كمَن يخافُ من الظَّلامِ، لا لأجْلِ ما قد يكونُ فيه، بل للظَّلام ذاتِه، وهذا يكونُ شِركًا أصغرَ؛ لأنه جعلَ ما ليس بِسَببٍ سَببًا؛ فليسَ الظَّلامُ في نفسِه مُوجبًا للخَوفِ، لكن إن خافَ مِن شيءٍ يَقعُ في أثناء الظَّلام فهذا لا يكُون قادِحًا في توحِيدهِ.
* ويُشترَط في هذا النَّوع: انْتِفاءُ معرفَةِ سببِ التَّخويفِ؛ فإنَّ الإنسانَ قد يخاف من شيء لا يُخوِّف في الأصل لِعَدم معرفتِه به، فإذا لم تُوجد الـمعرِفةُ لم يكُن هذا مِن جُملةِ الشِّرك الأصغَر
* فَائِدَةٌ 77: لَا يزَالُ العبْدُ في خَوْفٍ ورجاءٍ حتَّى تَكمُلَ له عِبادتُه؛ كما قال الْإِمَامُ أَحْمَدُ: (الْـخَوْفُ وَالرَّجَاءُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْـجَنَاحَيْنِ لِلطَّائِرِ)؛ فكمَا أنَّ الطَّائرَ لا يقُوم طيَرانُه إلَّا بوجُودِهما جَميعًا، فكذلكَ عبَادةُ اللهِ لا تكُونُ إلَّا على هذه الصُّورةِ بأنْ يكُونَ العبدُ راجِيًا لربِّه خائفًا منهُ.
ورأسُ ذلكَ الطَّائرِ: هو محبَّةُ الربِّ جلَّ وعلا، الذي يُرشِدُه ويَسُوقهُ إلَى الِاستكثَارِ مِن محابِّ اللهِ ومرَاضِيه.
* فَائِدَةٌ 78: يُغَلَّبُ الخَوْفُ مِن اللهِ في حالِ السَّعةِ والرَّخاءِ، وَيُغَلَّبُ رجَاءُ اللهِ تعالَى في حالِ الشِّدةِ والضِّيقِ.
* فَائِدَةٌ 79: الرِّيَاءُ: إظهَارُ العبَادةِ ليَراهَا النَّاسُ فيَحْمَدُون صَاحبَها؛ كما قالهُ ابْنُ حجر في فتح الباري.
* فَائِدَةٌ 80: النِّيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِهَا ثَلَاثُ مَرَاتِبَ:
الْأُولَى: مَرْتَبةٌ يُراد بها تَمْيِيزُ العملِ، أهُو عبَادةٌ أم عَادةٌ؟ وأيُّ العبَاداتِ هو إذَا كانَتِ الصُّورةُ منْهُنَّ واحِدةً؟
الثَّانِيَةُ: مَرْتَبةٌ يَتَمَيَّزُ بها الْـمَقْصُودُ بالعَملِ، أهُو اللهُ أم غَيْرُه؟ ويدخُلُ تحتَها: الإخْلَاصُ والشِّرْكُ.
الثَّالِثَةُ: مَرتبَةٌ يَتَميَّز بها الْـمَقْصُودُ مِن العمَلِ، أهو ثوَابُ الدُّنيَا أم ثوَابُ الآخرَةِ؟ أم ثوَابُ الدُّنيَا والآخرَةِ؟
* إذا عُلِم هذَا، فإنَّ العمَلَ لأجْلِ إرادَةِ الدُّنيَا إنَّما يتعَلَّقُ بالْـمَرتبَة الثَّالثةِ، وهي نِيةٌ يتَميَّز بها الْـمَقصُودُ مِن العمَلِ، أي: الثَّواب الْـمُرتَّب عليهِ.
وهذا ينْقَسِمُ إلى قِسْمَيْن:1 - أنْ يكُونَ عَمَلُ العَبْدِ كلُّه لأجْلِ إرادَةِ الدُّنيَا؛ وهذا شِرْكٌ أكبَرُ، وهذا العَملُ علَى هذا الوصْفِ لَا يَصْدُر مِن مؤمنٍ.
2 - العمَلُ لوَجْهِ الله ولأجْلِ الدُّنيَا، وله (عنْدَ ابْنِ سَعْدِيٍّ) صُورتَانِ:
1 – أنْ يتَسَاوَى القَصْدُ أو يتَقاربَا، وهذا يُنْقِص كَمالَ التَّوحيدِ.
2 – أن يَعمَلَ لله وحدَه، ويأخُذَ على عمَلِه جُعْلًا أي: عَطِيةً، فهذَا لا يَضُرُّ أخْذُه في إيمَانِ العَبْدِ وتوحِيدِه.
وفي جَعْلِ هذه الصُّورةِ من جُملةِ إرادَةِ العَبْدِ بعمَلهِ الدُّنيَا: نَظرٌ؛ لأنَّ مَقْصُودَ أهْلِ العِلْمِ مِن إرادَةِ العَبْدِ بعمَلِهِ الدُّنْيَا: انجِذَابُ الرُّوح إليهَا وتَعَلُّقُه بها، وهذا غيرُ موْجُودٍ في هذه الصُّورةِ.
* فَائِدَةٌ 81: ذكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ في تعْلِيقاتِه على كِتَابِ التَّوْحِيدِ أنَّ العملَ لإرادَةِ الدُّنيا ينقَسِمُ إلى قِسْمينِ اثنَيْنِ:
1 – أنْ يُريدَ العَبدُ ذلكَ بجمِيع عمَلهِ، فهذا شِركٌ أكبرُ، ولا يكونُ إلَّا مِن الْـمُنافقِين.
2 – أن يُريدَ الدُّنيَا ببَعْضِ عمَلِه، كالصَّدقةِ أو الجهَادِ أو غيرِها، فهذَا يكونُ شِركًا أصغَرَ، ولا يكونُ مُحبِطًا لجمِيع عمَلِ صاحِبِه ولا مُخرِجًا له مِن الْـمِلَّة.
* فَائِدَةٌ 82: ذَكَرَ شُرَّاحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ عند بابِ: (بَابُ مَنْ أَطَاعَ الْعُلَمَاءَ وَالْأُمَرَاءَ فِي تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ أَوْ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ؛ فَقَدِ اتَّخَذَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ)، ذكَرُوا كلامَ أَبِي الْعَبَّاسِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ في جعْلِ هذه الطَّاعةِ على هذِه الصُّورةِ مُنْقسِمةً إلى قِسْمينِ:
1 – أنْ يُطيعَهُم في تحليلِ ما حرَّم اللهُ أو تحريمِ ما أحلَّ اللهُ، مع اعتِقَاد ذلكَ، فيَعتَقِدُ صِحَّةَ تحلِيلِ ما حرَّمُوه، وتحليلِ ما حلَّلُوه، وهذا شِرْكٌ أكبَرُ مُخْرِجٌ عن الْـمِلَّةِ.
2 – أن يُوافِقَهُم في تحلِيلِ الحرَامِ وتحْرِيمِ الحلَالِ مِن غيرِ اعتِقادِ كَونِه كذلكَ، بل قَلْبُه مُنْضَمٌّ على اعتِقَادِ تحريمِ الحرَامِ وتحلِيلِ الحلالِ، ولكنَّه وافَقَهُم لهَوًى أو شَهْوةٍ أو شُبْهةٍ، وحِيَنئذٍ لا يكُون فِعْلُه شِرْكًا أكبرَ.
قال أَبُو الْعَبَّاسِ: (بَلْ فِعْلُهُ كَسَائِرِ الذُّنُوبِ).
وفيهِ إشكَالٌ: إذْ كيفَ يكُون العبدُ مأمُورًا في توحيدِه بأن يُطِيع اللهَ، ومُعْلنًا بأنَّ طاعةَ غيرِه شِركٌ به، ثُمَّ يكُون مُوافَقتُه لهؤلاءِ في الظَّاهرِ -معَ اعتِقَادهِ تحريمَ الحرامِ وتحليلَ الحلالِ- يكونُ كسائرِ الذُّنوبِ التي يَغْفِرُهَا اللهُ تعالَى.
ولَـمْ أرَ -الشَّيْخُ صَالِحٌ الْعَصيمِيُّ- أحدًا مِن شُرَّاحِ كتاب التوحيد خرَجَ عنْ قَوْلةِ أَبِي الْعَبَّاسِ، ولَا نظَر فيهَا مع قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَـمُشْرِكُونَ)، إلَّا الْعَلَامَةَ صَالِح الْفَوْزَان فِي إِعَانَةِ الْـمُسْتَفِيدِ، فجزَمَ بأنَّ هذه الصُّورةَ شِرْكٌ أصغَرُ، وهو الصَّحيحُ.
* فَائِدَةٌ 83: التَّحاكُمُ إلَى الطَّاغُوتِ لا يكُون كُفْرًا مُخرجًا عن الْـملَّةِ إلَّا إذا وُجِد فيه معْنَى الإرَادةِ، وهو: الرِّضَا والقَبُول والحُبِّ. 1 - فمَن تحَاكمَ إلَى غَيْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ مُريدًا لهذا الحُكْمِ، راضِيًا بهِ، مُقَدِّمًا له على غَيْرِه؛ كانَ ذلكَ كُفْرًا أكبَر مُخرِجًا عنِ الـمِلَّة؛ لأنَّه لم يَكْفُر بالطَّاغُوتِ.
2 - وأمَّا إذا تحَاكَم إليهِ لَا علَى هذهِ الإرَادةِ، وإنَّما لأجْلِ الدُّنيَا -معَ عِلْمِه بأنَّ هذا الأمْرَ مُحَرَّمٌ غيرُ مأذُونٍ فيهِ، أو تحَاكَمَ إلى الطَّاغُوت مُكْرهًا مُلزَمًا به في الخاصِّ والعامِّ- فإنَّه لا يكُون بذلكَ كافرًا.
* فَائِدَةٌ 84: الْـمَسَائلُ التِي تَتَّصِلُ بالحُكْمِ بغيرِ ما أنزَلَ اللهث مِن الـمسَائلِ العَظِيمةِ التِي عَظُم الْـمُصَابُ بها بينَ الْـمُسْلِمينَ؛ لكَثرَةِ كلامِ الجُهَّال فيهَا، والعِلْمُ نُقطَةٌ كَثَّرها الجَاهلُون، ولو سَكتَ الجاهِلُ لَقلَّ الخلافُ. فنَبتَتْ نَوَابِتُ لا عِلْمَ لهم بالشَّريعَةِ، يتكَلَّمُون في هذه الْـمَسَائلِ، لا يُحْسِنُ أحَدُهم إلَّا إيَّاهَا -وإحسَانُه لها مقْدُوحٌ فيه- إذْ كيْفَ يُحسِنُها مَن لا يُحسِنُ أصُولَ الدِّينِ؟!
* فَائِدَةٌ 85: قولُ الْإِمَامِ الْـمُجدِّدِ: (بَابُ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ) أيْ: فَقَدْ كَفَرَ؛ هكذَا ذكره الْعلَّامَةُ سُلَيْـمَانُ الْـحَمْدَان فِي الدُّرِّ النَّضيدِ.
إلَّا أنَّ صِحَّةَ هذا التَّقْديرِ تَرجِعُ إلى الْـمُرادِ بِـ: الْـجَحْدِ، فإنَّ جَحْدَ الأسماءِ والصِّفاتِ له معنَيانِ:
1 – جَحْدُ إنْكَارٍ، بأن يَنْفِيَ ما أثبَتهُ اللهُ أو أثْبَتَهُ رسُولُه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم لهُ؛ فيكُونُ كَافرًا كُفْرًا أكبرَ خارِجًا مِن الـمِلَّةِ.
2 – جَحْدُ تأوِيلٍ، بأنْ يكُونَ الحاملُ عليهِ التَّأوِيلَ لا الإنكَارَ، وصاحبُ هذه الحالِ يتَنوَّع حكْمُه باعتبَار قُوَّةِ الـمُسوِّغ للتأوِيلِ:
1 – فإذَا كان التَّأويلُ سائِغًا، لم يكُن جَحْدُه على هذه الصُّورةِ مُخْرجًا له عنِ الإسْلَامِ.
2 – وإذَا كان تأوِيلُه لا مُسوِّغَ له، فإنَّه تَكْذِيبٌ في الحقِيقةِ.
ويُبَيِّنُ هذَا: مَن يزعُم أنَّ اليدَ للهِ تعالى هي القُوَّةُ؛ فإنَّ مِثْلَ هذَا لا يَكْفُرُ كُفرًا أكبرَ مُخْرِجًا من الْـمِلَّةِ، لوجُود الـمُسوِّغ مِن العربيَّةِ للحَمْلِ على الْـمَعْنَى -وإن كَانَ مردُودًا-، لَا إنِ ادَّعى أنَّ اليدَ للهِ تعَالى في قولِه: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) هُما السَّماواتُ والأرضُ، أو الشَّمسُ والقمَرُ؛ لِعدَمِ وجُود الْـمُسوِّغ الْـمُعتَدِّ به في هذا القوْلِ، فيكُونُ على هذه الصُّورةِ مُلحَقًا بجَحْدِ الإنكَارِ، إذْ حَقيقَتُه تَكْذِيبُ الله تعالى في قولِه، فإنَّ العربَ لا تَعرِفُ اليدَ بهذا الْـمَعْنَى.
* فَائِدَةٌ 86: النَّاسُ فِي مُقَابِلِ نِعْمَةِ اللهِ يَنْقَسِمُونَ إِلَى قِسْمَيْنِ:
1 – أَهْلُ الْإِنْكَارِ، الذينَ يُنكِرُون نِعمةَ اللهِ تعالى، ويُعلِنُون ذلكَ بألسَنتِهِم، وهؤلاء كُفَّارٌ خارجُون عن الْـمِلَّة.
2 – أَهْلُ الْإِقْرَارِ، وهذا القسْمُ نوعَانِ:
1 – مَنْ أَقَرَّ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، وهذه حالُ كُمَّل الْـمُوحِّدينَ.
2 – مَنْ أَقَرَّ بِقَلْبِهِ، وَأَضَافَهُ بِلِسَانِهِ إِلَى غَيْرِ اللهِ، كأنْ يُضيفَها إلى نَفْسِه أو سَعْيِه أو نَسَبِه أو حسَبِه، كما هو جَارٍ على ألْسِنةِ كَثيرٍ؛ وهذَا مِن جِنْسِ الشِّركِ الأصغَر في الألفاظِ.
* فَائِدَةٌ 87: قسَّمَ ابْنُ سَعْدِيٍّ تَعَيُّنَ القنَاعةِ بالحَلِف باللهِ عزَّ وجلَّ إلى قِسْمينِ:
1 – أنْ تكُونَ تلكَ اليَمِينُ صادِرةً مِن معرُوفٍ بالصِّدقِ والعدَالةِ، فحِينئذٍ يَتعيَّن الرِّضَا.
2 – أن تكُونَ صادرةً مِـمَّنْ عُرِف عنه الفجورُ والكذِبُ، وحِينَئذٍ لا تلْزَمُ القنَاعةُ بيَمينِه، ولا يكُون ذلك مخالِفًا لِـما يجِبُ على العَبْدِ مِن تعظيمِ اللهِ سبحَانه وتعالَى.
هذا قولُ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ، ومِن أهلِ العِلْمِ مَن دَفعَ هذه القِسْمةَ، ورأى أنَّ مُقتضَى تعْظِيمِ اللهِ عزَّ وجلَّ الرِّضَا بحَلِفِ مَن حلَفَ به سَواءٌ كان معرُوفًا بالصِّدقِ أو ضدِّه؛ لأنَّ مرَدَّ التَّعظيمِ إلى كوْنِ اليمينِ باللهِ تعالَى، غير أنَّ هذا القَوْلَ ظَاهرُ الضَّعفِ؛ لأنَّ الصَّحابةَ رضوانُ الله عليهم أَبَوْا أن تحْلِفَ لهم يَهودُ خمْسِين يمِينًا في قصَّة مُحَيِّصَةَ وحُوَيِّصَةَ رضي اللهُ عنهُما لَـمَّا قتَلَتْهُ يهودُ، فأبَى الصَّحابةُ رضوَانُ الله عليهم أيمَانَ خمْسِين مِنَ اليهُود ولم يُعنِّف عليهم رسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وكانُوا هم أحقَّ بتعظِيم اللهِ عزَّ وجلَّ، فعُلِم أنَّ القِسْمةَ التي ذكرَها ابْنُ سَعْدِيٍّ هي القِسمَةُ التي تُرشِد إليها الأدِلَّةُ.
* فَائِدَةٌ 88: الدَّهْرُ لا يَسْتقِلُّ بالأفعَالِ، وإنَّما هو ظرْفٌ لها؛ وإذا جرَى مِن العَبْدِ سَبٌّ للدَّهْرِ، كان ذلك منافيًا للتَّوحيدِ.
1 - وقد يكُونُ شرْكًا أكبرَ إذا اعتقَدَ أن الدَّهر مُسبِّب بنفسِهِ.
2 – وقد يَكُون شِرْكًا أصغَرَ إذ اعتقَدَ أنَّ الدَّهْرَ سبَبٌ، وأن التدبيرَ كلَّه لله تعالى.
* فَائِدَةٌ 89: سبُّ الدَّهرِ: هو شتْمُهُ؛ أمَّا الخبَر عن تصَاريفِه فليْسَ مِن جُملةِ سَبِّه؛ فوَصْفُ اليومِ بالسُّوءِ: لا شيءَ فيهِ؛ كما قالَ تعالى: (فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ)؛ فهذا خبرٌ عمَّا اكْتَنفَ ذلك اليومَ مِن التَّقديرِ.
* فَائِدَةٌ 90: الْـهَزلُ: هو الْـمَزْحُ بخِفَّـةٍ، والهزَلُ والِاسْتِهْزَاءُ الْـمُكَفِّرُ ينقَسِم إلى قسمَيْنِ:
1 – الِاسْتِهْزَاءُ الـمُكَفِّرُ حقيقةً، وهو الِاسْتِهْزَاءُ بالله وآياتِه ورسُولِه؛ لأنَّه نُصَّ على هؤلاء الثلاثةِ في قولِ الله عزَّ وجل: (قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).
2 – الِاسْتِهْزَاءُ الْـمُكفِّرُ حكمًا، وهو ما رجَع إلى الـمنصُوصِ عليه، كمَن يستَهْزئُ بشيءٍ مِن دينِ الله تعالَى؛ فإنَّه راجعٌ إلى الِاسْتِهْزَاءِ باللهِ وآياتهِ ورسُوله، فيكونُ له الحكمُ نَفسُه.
* وما خرجَ عن هذينِ النَّوعينِ:
قد يكُونُ فسْقًا لا يكْفُرُ بهِ العبدُ؛ كمنِ استهَزئ بصُورةِ أحدٍ مِن النَّاس الْـمُتعلِّقةِ بالشَّريعة كاللِّحيةِ، فإنَّه يَسْتهزئُ بها على إرادَةِ تعلُّقها بذلك الشَّخصِ، لا مِن جهةِ كونِها مأمُورًا بها، فلا يكفُرُ؛ لأنه لم يسْتَهزِئ بها لأجْل كونِها دِينًا، وإنما لأجْلِ أنَّها لحيَةُ فلانٍ، وهذا فسْقٌ لِـما فيه من السُّخريةِ بالـمؤمِنينَ.
* فَائِدَةٌ 91: بوَّب الإمَامُ الْـمُجدِّدُ فقال: (بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي) وبعدَه: (بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا)، والفَرْقُ بينَهُما:
- أنَّ التَرجمةَ الأُولى مُتعلِّقةٌ بالنِّعمةِ الـمُسدَاة عقِبَ شِدَّةٍ وضرَّاء.
- وأمَّا التَّرجمةُ الثَّانيةُ فَمتعَلِّقةٌ بالنِّعْمَةِ الْـمُسْدَاةِ ابْتِدَاءً.
* فَائِدَةٌ 92: الْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى شَيْئَانِ: 1 – دُعَاءُ اللهِ تَعَالَى بِهَا، وهذَا: 1 - يكونُ تَارةً دُعاءَ عِبادةٍ بشُهودِ معانِيها، واستِحضَار ما دلَّت عليهِ مِن الحقائِقِ العظِيمةِ.
2 - ويكُونُ دعاءَ مسْألةٍ بطلَبِ اللهِ بهَا، بأن يدعُوَ الإنسَانُ باسْمِ الرحمنِ والرَّحيمِ والرَّازقِ والكريمِ.
2 – تَرْكُ الْإِلْـحَادِ فِيهَا، والإلْـحَادُ: الْـمَيْلُ بِهَا عَمَّا يَجِبُ فِيهَا.
وهذا الْـمَيْلُ يتنوَّع إلى أنواعٍ كثيرةٍ، وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في تعدِيدِها؛ إلَّا أنَها جميعًا ترجِعُ إلى: الْـمَيْلِ بِهَا عَمَّا يَجِبُ فِيهَا.
وقدْ يخرُجُ الإلحادُ بصاحبِه مِن الإسلَامِ، وقد لا يَخرُجُ بصاحبِه منه؛ فمَن نفَى ما للهِ منَ الأسماءِ والصِّفات يكُون قد ألحَدَ إلحادًا خرجَ به عن الإسْلَامِ.
* فَائِدَةٌ 93: السَّلَامُ -مِن أسماءِ اللهِ معنَاهُ-: السَّالِمُ مِن كلِّ عيبٍ، الْـمُتنَزِّهُ عن كلِّ نقْصٍ.
* فَائِدَةٌ 94: الخبَر بالسَّلامِ عن اللهِ مأذُونٌ به، مأمورٌ بِه في مواضِعهِ فِي الشَّريعةِ، وأمَّا إنْشَاءُ ذلك بقَوْلِ: السَّلَامُ على اللهِ؛ فقَد جاءتِ الشَّريعَةُ بالنَّهيِ عنه؛ لِـمَا يتضمَّنُه مِن تنقُّصِ الربِّ جلَّ وعلا، إذْ يَجعَلُه مظِنَّةً للنَّقْصِ ومحَلًا قابِلًا للشَّرِّ يحتَاج إلى دُعاء الدَّاعي بأن يُسَلَّمَ مِن ذلك.
* فَائِدَةٌ 95: مَطْلُوبَاتُ الْعَبْدِ فِي سُؤَالِهِ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
1 – الْـمطَالبُ التي تتَحقَّقُ منْفَعتُها، والْـمَأمُورُ بهَا: هو الجَزْمُ بدُعاءِ الله تعالَى؛ وذلك: كالعَافيةِ والرِّزْقِ والصِّحَّةِ.
2 – الْـمَسْئُولاتُ التِي لا يُعلَمُ تحقُّقُ الْـمَنفَعةِ فيها، بل تكُون الْـمَنفَعةُ متردِّدةً باختلافِ حالها؛ فيُرشَدُ العبدُ إلى ما فيه مَصْلَحتُه بأن يُعَلِّقهَا باختيَار اللهِ تعالى ومَشِيئتِه.
* فَائِدَةٌ 96: النَّهْيُ في قولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي) للكراهَةِ في قول الجُمهُور، كما ذكَرهُ ابْنُ الْقَيِّمِ في زَادِ الْـمَعَادِ وابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ الْبَارِي، وحُكيَ إجمَاعًا وفيه نَظرٌ.
* فَائِدَةٌ 97: بوَّب الإمَامُ الْـمُجدِّدُ فقال: (بَابٌ لَا يُرَدُّ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ)، وبعده: (بَابٌ لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهِ إِلَّا الْـجَنَّةَ)؛ والفَرقُ بينَهُما:
أنَّ الأُولى: تتَعلَّقُ بالـمَسْؤُولِ، والثَّانيةَ: تتعَلَّق بالسَّائلِ. * فالـمَسؤُولُ: مأمورٌ بأنْ لا يَرُدَّ مَن سألَ باللهِ تعالَى، بل يُجِيبُه تعْظِيما لحقِّ اللهِ تعالَى إذا كانَ ذلك مُتَعَيِّنا مُـمْكنًا، أمَّا إذا لم يكُن مُـمْكنًا أو لا يَقْدِر العَبْدُ عليه فلا يُؤْمرُ بإجابَةِ سُؤالِ مَن سألَهُ.
* وأمَّا السَّائلُ فمَأمورٌ بأن يُعظِّمَ اللهَ تعالَى فلا يَسْألُ بوجْهِ اللهِ إلَّا الْـمطَالبَ العظِيمةَ؛ مِن الجنَّةِ وما أوْصَل إليهَا، أمَّا مطالِبُ الدُّنيَا فإنَّ العَبْدَ لا يَسألها بوجْهِ اللهِ تعالَى؛ لِـمَا في ذلك مِن مُنافاةِ تعظِيم الربِّ، فإنَّ العظيمَ إنَّما يُسألُ به في العظيمُ، ولا يُطلبُ مِن الْـمَلِكِ شَيءٌ حقيرٌ.
* فَائِدَةٌ 98: اسْتِعمَالُ (لَوْ) على ثلاثةِ أقسَامٍ:
1 – الإتيَانُ بهذه اللَّفْظةِ على وجْهِ الإخْبَار؛ كما في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ)، وهذا القسْمُ جَائزٌ، فلِلعَبْدِ أن يُخبِر بها ما شاءَ، فإذا قُلْتَ: لو جِئتَني أكْرَمتُكَ؛ كان ذلك جَائزًا.
2 – أن يَقُولَها على وجْه التَّمنِّي للخَيْرِ أو الشَّرِّ؛ فإنْ قالَها مُتَمَنِّيا للخَيْرِ جازَ ذلك بلِ اسْتُحبَّ، ولو قالَها مُتمَنِّيا الشَّر حَرُمَ ذلك ومُنِعَ.
3 – أن يقُولَها على وجْهِ التَّندُّمِ والتَّحسُّرِ؛ وهذا القِسْمُ هو الحامِلُ لإيرَادِ الْإِمامِ الْـمجَدِّد رحمه الله تعالى لـ: (بَاب مَا جَاءَ فِي اللَّوِّ) في كِتَابِ التَّوْحِيدِ؛ فإنَّ إيرادَ هذه الكَلمةِ (لَوْ) على وجْه التَّنَدُّمِ يَجِيءُ على ثلاثَةِ أنواعٍ:
1 – أن يقُولَها مُتَندِّما مُعارِضًا للحُكْمِ الشَّرعيِّ، كما في قولِه تعالى: (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا).
2 – أن يقُولَها مُتَنَدِّما على وجْهِ الْـمُعارَضةِ لِلْحُكْمِ القَدَريِّ، كما في قولهِ تعالَى: (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا).
3 – أنْ يَقُولَها تَندُّما لا علَى وجهِ الْـمُعارَضةِ لحُكْمِ الله الشَّرعيِّ والقَدرِيِّ، وإنَّما جَزعًا وتسَخُّطًا.
وهذه الأنوَاعُ الثَّلاثةُ الْـمُنْدرجَةُ تحتَ القِسْمِ، كلُّها محرَّمةٌ، وقد تَترقَّى الحالُ بصَاحبِها -في بَعْضِ صُوَرِها- إلى الوقُوعِ في الشِّركِ؛ لِـمَا في ذلك مِن مُنازعَةِ الله تعالى في حُكمِه القدَريِّ أو الشَّرْعِيِّ.
* فَائِدَةٌ 99: (بَابُ النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الرِّيحِ): هذهِ التَّرْجمةُ لاحِقةٌ بـسَبِّ الدَّهرِ؛ ولكن لَـمَّا كانت الرِّيحُ مِن أكثَرِ أفرادِ حوَادثِ الدَّهرِ تَكرارًا وانتِشَارًا، والوقُوعُ في سبِّها مِمَّا تجْرِي به ألسِنةُ كَثيرٍ؛ أفردَهُ الـمُصنِّفُ رحمه اللهُ بالذِّكْرِ؛ والقَوْلُ فيه كالقولِ في سبِّ الدَّهر.
وقد تقدَّم: أنَّ السبَّ هو إنْشَاءُ القولِ باللَّعْنِ والشَّتمِ وغيرِه، وأمَّا مُجرَّدُ الخبَر فإنَّه غيرُ ممنُوعٍ منهُ، كما قال تعالَى: (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ).
* فَائِدَةٌ 100: ظَنُّ الْـجَاهِلِيَّةِ: هو ظنُّ غَيْرِ ما يَلِيقُ باللهِ؛ كما ذكره ابْنُ الْقَيِّمِ في زَادِ الْـمَعَادِ.
1 - وهذَا الظنُّ قد يكُونُ كُفْرًا أكبرَ؛ كمَن يظُنُّ باللهِ تعالى أنَّ له صاحبةً وولدًا.
2 - وقد يكُونُ دُون ذلكَ لا يُخرِج مِن الْـمِلَّةِ؛ كمَن يظُنُّ أنَّ مِن أسماءِ الله تعالى اسمًا لم يُسمِّ اللهُ به نفسَه، كاسْمِ: السَّاترِ أو الْـمَوجُودِ أو الْـمَطلُوبِ أو الْـمَقصُودِ.
* فَائِدَةٌ 101: مِن جُملةِ التَّنديدِ: اتِّخاذُ الصُّورِ الحيوَانيَّةِ، تَشَبُّها بخَلْقِ اللهِ وكَذِبًا على الخِلْقةِ الإلهيَّة، ومِن أجلِ هذا عقَدَ الْإِمَامُ الْـمُجَدِّدُ بابَ: (مَا جَاءَ فِي الْـمُصَوِّرِينَ)، كما أنَّ تعظيمَ الصُّورِ الحيوانيَّةِ مِن الوسائلِ الْـمُفْضيةِ إلى الشِّرك؛ فصارَ إدخَال هذه التَّرجمةِ (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْـمُصَوِّرِينَ) في كتَابِ التَّوحيدِ راجعًا إلى هذين الْـمَعنَيينِ:
1 – لِكَوْنِ التَّصويرِ مِن جُمْلَةِ التَّنْدِيدِ.
2 – ولكَوْنهِ مِن الوسائلِ الْـمُفضِيةِ إلى الشِّرْك.
* فَائِدَةٌ 102: مِن تعْظِيم الربِّ جلَّ جلالُه: حِفْظُ اليمِين؛ كما قالَ تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ)، فَمَن حَفِظ يَمِينَه كان مُعظِّما للرَّبِّ عزَّ وجل، قائِمًا بتوحِيدِه، ومَن لم يَحْفَظ يَمِينَه فقد وقعَ فيما يُنافِي التَّوحيدَ: إمَّا مُنافيًا لأصلِه وإمَّا منافيًا لكمالِه.
* فَائِدَةٌ 103: تَعْظيمُ الله بِحِفْظِ اليمِين يكُون بخَمْسةِ أصُولٍ يتحقَّقُ بها حفظُ اليمِين:
1 – أن لا يَحْلِف إلَّا باللهِ.
2 – أنْ لَا يَحلِف بالله إلَّا إذا كان صَادقًا.
3 – تَرْكُ الإكثَارِ مِن الحَلِف.
4 – الْتِزامُ ما تَقْتضِيه اليَمِينُ إلَّا أن يرَى خيْرًا منهَا.
5 – الوَفاءُ بكفَّارتِها إذا حنَثَ فيها.
* فَائِدَةٌ 104: قَوْلُ الْإِمَامِ الْـمُجَدِّدِ (بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي: بتَعظِيمها والوفاءِ بها، وعدمِ العَقْدِ بها ابتداءً -ولكنْ إذا عَقَد بها فإنه يجِبُ عليه أن يَفيَ بها تعظيمًا للربِّ سُبحَانه وتعالى-، والحذَرِ كلَّ الحَذَرِ من نَكْثِ هذه الذمَّةِ وإبطالِ ما دلَّت عليه مِنَ الالتزامِ حالَ الْـمُعاهَدة معَ أحدٍ مِن الكُفارِ؛ لِـما في ذلك مِن [تَهوينِ] الإسلامِ وعدمِ القيامِ بحقِّ الله وحقِّ رسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
* فَائِدَةٌ 105: الْإِقْسَامُ عَلَى اللهِ يَجِيءُ عَلَى قِسْمَيْنِ:
1 – أن يكُونَ مِن بابِ العُجْبِ بالنَّفْسِ والإدْلَالِ على اللهِ؛ فهذا سُوءُ أدَبٍ معهُ، دالٌّ على قِلَّة تَعْظِيمِه، ووهَنِ توحِيدِ مَن قامَ به ذلك الحالُ.
2 – الإقْسَامُ على اللهِ لِتحَقُّق وقُوعِ الـمُقْسَمِ [عليه] أو قُوَّةِ الرَّجاءِ باللهِ عزَّ وجلَّ مع قَبُول الـمَحلِّ لذلكَ، وهذا القِسْمُ قد رخَّص فيه بَعْضُ أهل العلمِ إذا كان الْـمَحلُّ قابِلًا والرجاءُ قوِيًّا، أو كانَ الأمرُ مُتَحَقَّقَ الوقوعِِ؛ ساغَ القَسَم على اللهِ سُبحانَه.
ولكِن لا يتهيَّأُ لبلُوغِ هذه الْـمَرتبةِ إلَّا الأفْرَادُ مِن النَّاسِ، فَرْدًا بعد فَرْدٍ؛ لحاجَةِ العبدِ في ذلك إلى كمَالِ الدِّينِ وقوةِ اليقِينِ، وصِدْقِ الوُثوقِ بوعْدِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
* فَائِدَةٌ 106: الِاسْتِشْفَاعُ بِاللهِ عَلَى خَلْقِهِ؛ أي: أن يُجعلَ اللهُ جلَّ وعلا شَافِعًا يَشْفَع عند أحدٍ مِن الْـمخَاليقِ فهو عَكسٌ لِـما يجِبُ أن يكُون عليهِ الخلقُ مِن أن يكُون الشَّافعُ مخْلُوقًا يَشْفعُ لِـمخْلُوقٍ عندَ اللهِ.
فَفِي هذا عَكسٌ لِـمَا يَجِبُ مِن القضِيَّةِ؛ لأنَّ الله هو الكبيرُ الْـمُتعَالِ الذي يُشْفَعُ عندهُ، وليسَ هو الشَّافِعَ عند غيرِه جلَّ وعلا، وفي ذلك إسَاءةٌ للأدَبِ مع الربِّ جلَّ وعلَا.
* فَائِدَةٌ 107: بوَّبَ الْإِمَامُ الْـمُجَدِّدُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي حِمَايَةِ الْـمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَنَابَ التَّوْحِيدِ وَسَدِّهِ كُلَّ طَرِيقٍ يُوصِلُ إِلَى الشِّرْكِ)، وبوب: (بَابُ مَا جَاءَ فِي حِمَايَةِ الْـمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَى التَّوْحِيدِ وَسَدِّهِ طُرُقَ الشِّرْكِ)؛ والفَرْقُ بين التَّرجمتَيْنِ:
1 – فَالتَّرْجمةُ الأُولَى: مُتَعَلِّقَةٌ بِحِمَايَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلتَّوْحِيدِ مِنْ جِهَةِ الْأَفْعَالِ.
2 – والتَّرْجَمَةُ الثَّانيةُ: مُتَعَلِّقَةٌ بِحِمَايَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلتَّوْحِيدِ مِنْ جِهَةِ الْأَقْوَالِ.
* فَائِدَةٌ 108: ختَم الْإِمَامُ الْـمُجَدِّدُ كِتَابَ التَّوْحِيدِ بـ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))؛ ليُبيِّنَ فيها مُوجِبَ فقْدِ التوحيدِ وسببَ زوالِه، وهو عدمُ تقدير الله عزَّ وجلَّ.
فإنه استَفتَح الكِتابَ بذِكْرِ مُوجِبِ وجُود التَّوحيدِ وهو أَمْرُ اللهِ به، وكَوْنُه قَضاءَه ووصِيَّتَه لخلْقِه، فلَمَّا بلغَ آخِرَ الكتابَ؛ خَتَمَ بذِكْرِ مُوجِبِ فَقْدِ التَّوحيدِ وانعِدامِه مِن النَّاسِ؛ وهُو عدمُ تقدِيرِ اللهِ عزَّ و جلَّ.
وهذه التَّرجمةُ مِن محاسِن الردِّ في الخَتْم على البدءِ؛ فإنَّ بَينَ أوَّل ترجمةٍ وآخرِ ترجمةٍ مناسبةً ظاهرةً.
* فَائِدَةٌ 109: الرُّقيَةُ بكِتابةِ آياتٍ، ثُمَّ أمْر الْـمَريضِ بوَضْعها في مَاء، ثُمَّ يَشْربُ الْـمَريضُ هذا الْـمَاءَ.
هذه الصُّورةُ جَائزةٌ، لأنَّها مِن الرُّقيةِ الشَّرعيةِ، إذْ أنَّها رُقيةٌ بالقُرآنِ، وثبَتَ هذا عن جماعَةٍ مِن السَّلفِ فمَن بَعدَهُم، ولم يُعْلَم عن أحدٍ مِن عُلماءِ الإسلَام إنْكَارُ ذلكَ.
ولكنَّ الرُّقى كُلَّما زَادَتْ وسَائطُها ضَعُفَ أثرُها؛ فإنَّ الرُّقيةَ الْـمُباشِرةَ مِن العَبْدِ على نفْسِه تكُون أبلَغَ مِن الرُّقيةِ التي تكُونُ مِن غَيْرِه عليهِ؛ لأنَّه بنَفْسِه يُباشِرُ رُقْيَتَها، فإذَا كان غَيْرُه يُباشِر الرُّقيةَ صارَت وَاسِطة، وإذا كانَت هذه الواسطَةُ تَكتُب الرُّقيةَ في ورقةٍ ثُمَّ تُوضَعُ في ماءٍ ازدَادَتِ الوسَائطُ فضَعُفَ تَأْثِيرُهَا.
تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ
عطر الإيمان
12-01-2010, 04:32 PM
فوائد جمة وقيمة
نفعنا الله واياكم
المنسي
12-08-2010, 04:57 PM
أثابكم الباري ونفع الله بما قدمتم
وهذا الموضوع يحتاج إلى جلسات وجلسات
ولي عودة إن شاء الله تعالى لتصفحه أولاً بأول
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.