المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة أصحاب الأخدود مع تفسير السوره


دنيا فانية
01-01-2011, 08:13 AM
سورة الْبُرُوج





قصة أصحاب الأخدود

عقاب الكفار وثواب المؤمنين

انتقام الله الشديد من أعداء رسله وأوليائه





بَين يَدَيْ السُّورَة



* هذه السورة الكريمة من السور المكية، وهي تعرض لحقائق العقيدة الإِسلامية، والمحورُ الذي تدور عليه السورة الكريمة هي حادثة "أصحاب الأخدود" وهي قصة التضحية بالنفس في سبيل العقيدة والإِيمان.



* ابتدأت السورة الكريمة بالقسم بالسماء ذات النجوم الهائلة، ومداراتها الضخمة، التي تدور فيها تلك الأفلك، وباليوم العظيم المشهود وهو يوم القيامة، وبالرسل والخلائق على هلاك ودمار المجرمين، الذين طرحوا المؤمنين في النار ليفتنوهم عن دينهم {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ* وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ* قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ* النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ* إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ* وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} الآيات.



* ثم تلاها الوعيد والإِنذار لأولئك الفجار على فعلتهم القبيحة الشنيعة {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}.



* وبعد ذلك تحدثت عن قدرة الله على الانتقام من أعدائه الذين فتنوا عباده وأولياءه {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ* إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ* وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ* ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ}.



* وختمت السورة الكريمة بقصة الطاغية الجبار "فرعون" وما أصابه وقومه من الهلاك والدمار بسبب البغي والطغيان {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ* فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ* بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ* وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ* بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} وهو ختم رائع يناسب موضوع السورة الكريمة.



قصة أصحاب الأخدود



{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ(1)وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ(2)وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ(3)قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ(4)النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ(5)إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ(6)وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ(7)وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(8)الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(9)}.



{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} أي وأُقسم بالسماء البديعة ذات المنازل الرفيعة، التي تنزلها الكواكب أثناء سيرها قال المفسرون: سميت هذه المنازل بروجاً لظهورها، وشبهت بالقصور لعلوها وارتفاعها لأنها منازل للكواكب السيارة {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} أي وأُقسم باليوم الموعود وهو يوم القيامة، الذي وعد الله به الخلائق بقوله {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ} {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} أي وأُقسم بمحمد والأنبياء الذين يشهدون على أممهم يوم القيامة، وبجميع الأمم والخلائق الذين يجتمعون في أرض المحشر للحساب كقوله تعالى {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} وقيل: الشاهد هذه الأمة، والمشهود سائر الأمم ودليله {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} هذا هو جواب القسم، والجملة دعائية أي قاتل الله ولعن أصحاب الأخدود، الذين شقوا الأرض طولاً وجعلوها أخاديد، وأضرموا فيها النار ليحرقوا بها المؤمنين قال القرطبي: الأخدودُ الشقُّ العظيم المستطيل في الأرض كالخندق وجمعه أخاديد، ومعنى {قُتِلَ} أي لعن، قال ابن عباس: كل شيءٍ في القرآن {قُتِلَ} فهو لعن .. ثم فصَّل تعالى المراد من الأخدود فقال {النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ} أي النار العظيمة المتأججة، ذات الحطب واللهب، التي أضرمها الكفار في تلك الأخاديد لإِحراق المؤمنين قال أبو السعود: وهذا وصف لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما فيها من الحطب، والقصدُ وصف النار بالشدة والهول .. ثم بالغ تعالى في وصف المجرمين فقال {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ*وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} أي حين هم جلوس حول النار، يتشفون بإِحراق المؤمنين فيها، ويشهدون ذلك الفعل الشنيع والغرض تخويف كفار قريش، فقد كانوا يعذبون من أسلم من قومهم، ليرجعوا عن الإِسلام، فذكر الله تعالى قصة "أصحاب الأخدود" وعيداً للكفار، وتسليةً للمؤمنين المعذبين، ثم قال تعالى {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} أي وما كان لهم ذنب ولا انتقموا منهم، إِلا لأنهم آمنوا بالله العزيز الحميد الغالب الذي لا يُضام من لاذَ بجنابه، الحميد في جميع أقواله وأفعاله، والغرضُ أن سبب البطش بهم، وتحريقهم بالنار، لم يكن إِلا إيمانهم بالله الواحد الأحد، وهذا ليس بذنب يستحقون به العقوبة، لكنّه الطغيان والإِجرام {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي هذا الإِله الجليل المالك لجميع الكائنات، المستحق للمجد والثناء قال أبو حيّان: وإِنما ذكر الأوصاف التي يستحق بها تعالى أن يؤمن به، وهو كونه تعالى {عزيزاً} أي غالباً قادراً يُخشى عقابه {حميداً} أي مُنعماً يجب له الحمد على نعمه {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي وكل من فيهما يحق عليه عبادته والخشوع له، إِنما ذكر ذلك تقريراً لأن ما نقموه منهم هو الحقُّ الذي لا ينقمه إِلا مبطلٌ منهمك في الغي {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي هو تعالى مطَّلع على أعمال عباده، لا تخفى عليه خافية من شؤونهم، وفيه وعدٌ للمؤمنين، ووعيدٌ للمجرمين.



عقاب الكفار وثواب المؤمنين

{إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ(10)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ(11)}.



ثم شدَّد تعالى النكير على المجرمين الذين عذبوا المؤمنين فقال {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} أي عذبوا وأحرقوا المؤمنين والمؤمنات بالنار ليفتنوهم عن دينهم {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا} أي ثم لم يرجعوا عن كفرهم وطغيانهم {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} أي فلهم عذاب جهنم المخزي بكفرهم، ولهم العذاب المحرق بإِحراقهم المؤمنين .. ولما ذكر مصير المجرمين أعقبه بذكر مصير المؤمنين فقال {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي الذين جمعوا بين الإِيمان الصادق والعمل الصالح {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} أي لهم البساتين والحدائق الزاهرة، التي تجري من تحت قصورها أنهار الجنة قال الطبري: هي أنهار الخمر واللبن والعسل {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} أي ذلك هو الظفر العظيم بغاية المطلوب، الذي لا سعادة ولا فوز بعده.



انتقام الله الشديد من أعداء رسله وأوليائه

{إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ(13)وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ(14)ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ(15)فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ(16)هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ(17)فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ(18)بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ(19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ(20)بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ(21)فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ(22)}.



ثم أخبر تعالى عن انتقامه الشديد من أعداء رسله وأوليائه فقال {إِنَّ بطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} أي إِن انتقام الله وأخذه الجبابرة والظلمة، بالغ الغاية في الشدة قال أبو السعود: البطش الأخذ بعنف، وحيث وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم، وهو بطشه بالجبابرة والظلمة وأخذه إِياهم بالعذاب والانتقام {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ}أي هو جل وعلا الخالق القادر، الذي يبدأ الخلق من العدم، ثم يعيدهم أحياء بعد الموت {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} أي وهو الساتر لذنوب عباده المؤمنين، اللطيف المحسن إِلى أوليائه، المحبُّ لهم قال ابن عباس: يودُّ أولياءه كما يودُّ أحدكم أخاه بالبشرى والمحبة {ذُو الْعَرْشِ} أي صاحب العرش العظيم، وإِنما أضاف العرش إِلى الله وخصَّه بالذكر، لأن العرش أعظم المخلوقات، وأوسعُ من السماواتِ السبع، وخلقُه بهذا الوصف يدل على عظمة خالقه {الْمَجِيدُ} أي هو تعالى المجيدُ، العالي على جميع الخلائق، المتصف بجميع صفات الجلال والكمال {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} أي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه ولا رادَّ لقضائه قال القرطبي: أي لا يمتنع عليه شيء يريده. روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إِليك الطبيبُ ؟ قال : نعم : قالوا : فماذا قال لك ؟ قال قال لي :{إِني فعَّال لما أريد}. {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ} ؟ استفهامٌ للتشويق أي هل بلغك يا محمد خبر الجموع الكافرة، الذين تجنَّدوا لحرب الرسل والأنبياء ؟ هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس، وما أنزل عليهم من النقمة والعذاب ؟ قال القرطبي : يؤنسه بذلك ويسليه، ثم بيَّن تعالى مَنْ هم فقال {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} أي هم فرعون وثمود، أولي البأس والشدة، فقد كانوا أشد بأساً، وأقوى مراساً من قومك، ومع لك فقد أخذهم الله تعالى بذنوبهم {بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ} أي لم يعتبر كفار قريش بما حلَّ بأولئك الكفرة المكذبين، بل هم مستمرون في التكذيب فهم أشد منهم كفراً وطغياناً {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} أي والله تعالى قادرٌ عليهم، لا يفوتونه ولا يعجزونه، لأنهم في قبضته في كل حينٍ وزمان {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} أي بل هذا الذي كذبوا به، كتابٌ عظيم شريف، متناهٍ في الشرف والمكانة، قد سما على سائر الكتب السماوية، في إِعجازه ونظمه وصحة معانيه {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} أي هو في اللوح المحفوظ الذي في السماء، محفوظٍ من الزيادة والنقص، والتحريف والتبديل

- قصة أصحاب الأخدود

عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (( كان ملك فيمن كان قبلكم ، و كان له ساحر ، فلما كبر قال للملك : إني قد كبرت فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر ، فبعث إليه غلاماً يعلمه ، و كان في طريقه إذا سلك راهب ، فقعد إليه و سمع كلامه فأعجبه ، و كان إذا أتى الساحر مر بالراهب و قعد إليه ، فإذا أتى الساحر ضربه ، فشكا ذلك إلى الراهب فقال : إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي و إذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر .
فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس ، فقال : اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل ...
فأخذ حجراً فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس ، فرماها فقتلها و مضى الناس ....
فأتى الراهب فأخبره ، فقال له الراهب أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى فإن ابتليت فلا تدل علي ...
و كان الغلام يبرئ الأكمه و الأبرص ، و يداوي الناس من سائر الأدواء فسمع جليس الملك و كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال ما ههنا لك أجمع ، إن أنت شفيتني ، فقال إني لا أشفي أحداً .إنما يشفي الله تعالى ، فإن آمنت بالله تعالى دعوت الله فشفاك فآمن بالله تعالى فشفاه الله تعالى .
فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك : من رد عليك بصرك ..؟
قال ربي قال ولك رب غيري ؟..! .. قال ربي و ربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام
فقال له الملك : أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ منه الأكمه و الأبرص و تفعل و تفعل فقال : إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله تعالى ... فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب فجيء بالراهب فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ، ثم جيء بجليس الملك فقيل له ارجع عن دينك فأبى ، فوضع المنشار في مفرق رأسه ، فشقه به حتى وقع شقاه ..
ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك فأبى ، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به إلى جبل كذا و كذا فاصعدوا به الجبل ، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه ، و إلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا ، و جاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك ما فعل بأصحابك فقال كفانيهم الله تعالى ...
فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور و توسطوا به البحر ، فإن رجع عن دينه و إلا فاقذفوه فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا .و جاء يمشي إلى الملك ... فقال له الملك ما فعل بأصحابك فقال كفانيهم الله تعالى ...
فقال للملك أنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال ما هو ؟ ..
قال تجمع الناس في صعيد واحد و تصلبني على جذع ثم خذ سهماً من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل : بسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني ...
فجمع الناس في صعيد واحد و صلبه ثم أخذ سهماً من كنانته ، ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال : بسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه فمات ....
فقال الناس آمنا برب الغلام ..
فأتى الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس . فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت و أضرم فيها النيران و قال : من لم يرجع عن دينه فأقحموه ففعلوا حتى جاءت امرأة و معها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام : يا أماه اصبري فإنك على الحق )) رواه الإمام مسلم كتاب الزهد و الرقائق باب قصة الغلام و رواه الإمام أحمد في باقي مسند الأبصار و رواه الإمام الترمذي في باب سورة البروج .
فهذا الحديث و إن كان يحمل في جوانبه رقائق و زهد ، فإنه يحمل في ثناياه معان عظيمة ، و فوائد جليلة و أفكار بناءة ، و هذا ليس بعيداً عن الحديث النبوي الجليل ، فقد أوتي صلى الله عليه و سلم جوامع الكلم و كان الفقهاء يستنبطون من الحديث الواحد فوائد فقهية و تربوية ... جمة....

و لو رحنا نتعمق في هذا الحديث كلمة كلمة و فقرة فقرة ، لتبين لنا أن هذا الحديث من الأحاديث المهمة في التربية و التطور و الثقة بالله ... و تصحيح بعض المفاهيم .فمن هذه الفوائد هذه الباقة العطرة :
1- الفائدة الأولى :
فأما الفائدة الأولى من هذا الحديث ، فإن بطل هذه القصة المثيرة هو غلام و هذا الغلام هو الذي أجرى الله على يديه على الأحداث السابقة الواردة في الحديث النبوي الشريف ...
و هذا يجعلنا ، بل يثير انتباهنا كي نهتم بالأطفال أبلغ اهتمام ،
يقول الرافعي رحمه الله ( إن الفج اليوم هو الناضج غداً ) .
فالأطفال اليوم و إن كانوا أطفالاً ، فهم في الغد رجال ، سيحملون ما يحملون من أفكار ...
و ربما مجدد العصر يكون بين هذه الأطفال .
إن علاقتنا مع أطفالنا علاقة عضوية فقط ، علاقة طعام و شراب و نسب ..
أما علاقة التربية فهي منقطعة فالتربية هي : عملية بناء الطفل شيئاً فشيئاً إلى حد التمام و الكمال .
و التربية مأمور بها الإنسان المسلم لأولاده : (( قوا أنفسكم و أهليكم ناراً وقودها الناس و الحجارة ))
(( ما من مولود يولد إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوذانه أو ينصرانه أو يمجسانه ))
الفائدة الثانية :
أما الفائدة الثانية من الحديث فتستشفها من قول الراهب " أي بني أنت اليوم أفضل مني "
هذه هي النقطة الفاصلة التي لم نستطع حتى الآن و منذ قرون أن نتجاوزها و هي اعتراف الأستاذ بأن تلميذه أصبح أفضل منه ..

و حتى الآن لم نسمع – إلا نادراً – أن أستاذاً مدح تلميذه و قرظه و هذا الأمر": إن يكن غريباً بعض الشيء " إلا أنه يحمل فيه معنيين هامين :
1- تواضع العالم الأستاذ
2- إن المجتمع لن يتقدم و لن يتحسن حاله ، إذا بقي التلميذ مثل أستاذه يقلده في كل شيء .
إن أحسن أحواله أن يصبح مثل أستاذه يقلده في كل شيء .
إن أحسن أحواله أن يصبح مثل أستاذه نسخة ثانية عنه فيشرح متونه و يختصر شروحه ..
يقول الشيخ محمد علي الطنطاوي رحمه الله : " إن سبب الركود العلمي في بلاد الشام في القرن الماضي هو فقدان التشجيع "
و أي تشجيع أعظم من أن يمدح الأستاذ تلميذه و يعترف بجهوده .
ولقد كانت إحدى وسائل التشجيع عند النبي عليه السلام إطلاق بعض الألقاب العلمية على الصحابة المتميزين كقوله عليه السلام " أقرؤكم أبي وأفرضكم زيد .."
إننا بحاجة ماسة إلى هذه النقطة في كافة المجالات حتى يبدأ التلميذ من حيث انتهى أستاذه و يساهم في بناء قلعة الإسلام ..
الفائدة الثالثة :
و هي تكمن في صدق الالتجاء إلى الله تعالى و طريقة الدعاء و الثقة بالإجابة و ذلك عندما قال : (( اللهم اكفنيهم بما شئت )) .
و هو دعاء غريب جداً ..
يحمل فيه ذلك الغلام الثقة المطلقة بالله عز و جل . . . . و استغنى عن التفصيل في كيفية و آلية النجاة ، و كلها لله سبحانه و تعالى .
فآلية النجاة و كيفيتها لا تأتي حسبما يخطط له الإنسان ، و إنما تأتي على الكيفية التي يريدها الله سبحانه و تعالى وما على الإنسان إلا ويحسن الثقة بالله سبحانه ويكل الآليات له سبحانه .
الفائدة الرابعة :
الإصرار على نشر الدعوة و هذا يؤخذ من هذا المشهد الذي تكرر مرتين في الحديث
" و جاء يمشي للملك "
فلماذا بعدما نجا في المرة الأولى و في المرة الثانية لم يهرب بل عاد إلى الملك الظالم ...
إن في عنقه رسالة لابد أنه مؤديها لذلك عاد مرة تلو المرة
إنه يعطي درساً عظيماً للدعاة ، في الإصرار على الدعوة و في الإصرار على إظهار الحق و تحديه للباطل
الفائدة الخامسة :
تكمن هذه الفائدة ... في تبني عامة الناس المبدأ الصحيح . حيث طلب هذا الغلام من الملك أن يجمع له الناس على صعيد واحد ...
و لو سألنا أنفسنا لماذا طلب الغلام هذا الطلب ... يتبين لنا أن المبدأ السليم والفكر الصحيح إذا استفاض و اعتنقه عامة الناس لم يقف أمامه طغيان طاغ أو ظلم ظالم ..
لذلك طلب موسى أن يجتمع الناس في وقت متميز هو يوم عـيد وفي ساعة متميزة هي وقت الضحى " قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى "
و إن أغلب الأفكار إذا لم يتبناها عامة الناس تضيع- أو ربما تؤجل – و على هذا ..
فإن الإسلام لن ينتشر بالنخبة أو الطبقة المثقفة وحدها فلا بد أن تبناه عامة الناس في بيوتهم و في معاملهم .
الفائدة السادسة :
تحديد مفهوم النصر : حيث قام هذا الغلام – الذي هو أفضل بكثير من رجال في هذه الأمة – قام بتوضيح مفهوم النصر ...
و ليس مفهوم النصر ... أن ينتصر الغلام . . . إنما المفهوم الحقيقي للنصر هو انتصار المبدأ
السليم والفكر الصحيح .
و هذا واضح من خلال دلالة هذا الغلام الملك على طريقة قتله فلو كان مفهوم النصر نصر للأفراد و الأشخاص و ليس للمبدأ لم يدله على هذه الطريقة و إنمابين للناس جميعا أن المفهوم الحقيقي للنصر هو انتصار المبدأ لا انتصار الأفراد والأشخاص.
الفائدة السابعة :
و تتمثل في الثبات على مبدأ الحق الذي سطع و ذلك من خلال الفقرة التي مثلت صورة الأم مع طفلها و قول الطفل (( يا أماه اصبري فإنك على حق )) .
و لعل صفة الثبات على المبدأ من أهم الصفات التي يجب أن يتمتع بها الإنسان المسلم في عصرنا هذا و في كل العصور و لاسيما و نحن نرى .. سرعة تخلي الإنسان عن مبدئه مقابل عرض من الحياة الدنيا و صدق رسول الله
" يمسي الرجل مؤمناً و يصبح كافراً و يصبح الرجل مؤمناً و يمسي كافراً يبيع رئيسه بعرض من الحياة الدنيا "
والله ولي التوفيق منقول

(http://www.al7areff.com/vb/search.php?do=finduser&u=1396&starteronly=1)

دنيا فانية
01-01-2011, 08:14 AM
تأملات في سورة " البروج "


بسم الله الرحمن الرحيم
وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ{1} وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ{2} وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ{3} قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ{4} النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ{5} إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ{6} وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ{7} وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ{8} الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ{9} إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ{10} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ{11} إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ{12} إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ{13} وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ{14} ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ{15} فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ{16} هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ{17} فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ{18} بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ{19} وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ{20} بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ{21} فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ{22}
شرح الغريب :
الْبُرُوجِ : هي منازل الشمس والقمر والكواكب التي وضعها الله في السماء .
وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ : هو يوم القيامة ؛ لأنه محدد بموعد لا يتخلف عنه .
وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ : أكثر المفسرين على أنّ الشاهد هو يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة .
والأولى القول بظاهر اللفظ بأنّ الشاهد: عام في كل من يشهد. والمشهود : عام في كل ما يشهد عليه .
قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ : دعاء عليهم بالهلاك ، والأخدود هو : الحفرة التي حفرت وأضرمت ناراً لتعذيب المؤمنين وفتنهم عن دينهم .
النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ : النار : بدل من الأخدود والمعنى: أنّ الأخدود المشار إليه عبارة عن حفرة مضرمة بنار توقَّد !
إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ : وصف لأصحاب الأخدود الكفرة بأنهم كانوا على شفير الأخدود يفتنون الناس عن دينهم, ويستمتعون بتعذيبهم!.
وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ : أي أنَّ هؤلاء الكفار الظلمة كانوا شهوداً على ما يفعلون بالمؤمنين راضين به .
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ : أي ما أنكروا منهم من ذنب إلا إيمانهم بالله .
فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ : امتحنوهم وآذوهم في دينهم . وقيل : أحرقوهم كقوله تعالى : {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ } الذاريات ( 13) . أي : يحرقون .
هداية الآيــــــــــات :
في هذه الآيات العظيمات المخيفات ، يقسم الجبار جلّ جلاله بالسماء الشاهقة ذات البروج العالية الدالة على عظمته وقدرته ، وبيوم القيامة الدال على حكمته وعدالته ، وبالشاهد والمشهود بأنّ الهلكة والنقمة واقعة على أصحاب الأخدود الذين أضرموا النيران وامتحنوا العباد رغبة في صرفهم عن التوحيد إلى الإلحاد ، ومن العبودية إلى الكفر والشرك .
وقد اختلف العلماء في أصحاب هذه القصة ومن يكونون على أقوال لعلّ من أظهرها ما رواه مسلم عن طريق صهيب الرومي – رضي الله عنه - في قصة الغلام والساحر والملك والشهيدة ، وأيا كان الأمر فالعبرة بمضمون القصة لا في تحديد أشخاصها ولذا أبهم القرآن الأسماء والأشخاص والزمان والمكان في هذه الحادثة المأساة !
قوله : ( وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ ) قسم بالسماء العظيمة الشاهقة الطول والارتفاع ذات البروج المتعددة والمنازل المتنوعة .
والقسم بالسماء له مذاق خاص ذو أثر في النفس عجيب لمن تأمل فليس في الكون المشاهد المحسوس آية أكبر منها, ووالله لو تأمل الناس في هذه الآية حقّ التأمل لآمنوا وأذعنوا للواحد القهار ، وحسبك منها هذه الحقائق :
1- أنّها محمولة رغم سعتها العظيمة وثقلها وكثافتها بلا عمد قال الله تعالى : {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً } النبأ (12) فهي شديدة ثقيلة ومع ذلك مرفوعة بلا عمد ! وقال تعالى : {اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } الرعد (2) .
2- أنّها محمولة بالقدرة الإلهية الباهرة ، وممسوكة بالإرادة الربانية المعجزة : { وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } الحج (65) .
3- أنه مع عظمة هذه السماء وقوتها وشدتها واتساعها ، فإنها ليست واحدة بل سبع فأي قدرة هذه التي أوجدت كلّ هذه السموات في يومين اثنين مع قدرته على خلقها في لمحة بصر ؟!
4- أنّ السماء مع كل ما ذكرناه متصفة كذلك بالإتقان وجمال الصورة وخلوها من العيب ، أو النقص { فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ } الملك (3، 4) .
وبالجملة فإنّ السماء التي ذكرها الله في كتابه في عشرات المواقع وما زلنا نبصرها صباح مساء هي آية عظيمة باعثة على اليقين والإيمان لمن تدبر وتأمل !
ولو تأملها الظلمة والطواغيت وعرفوا عظمة الصانع ، وقدرته الفائقة في مقابل عجزهم وضعفهم لما تجرأوا على سفك الدم الحرام أو فتن العباد عن دينهم, ولعل هذا من مناسبة القسم بهذه الآية في معرض سوق قصة أصحاب الأخدود .
( وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) : اليوم الموعود هو يوم القيامة بلا شك ومناسبة القسم به في معرض سوق هذه القصة كذلك ظاهرة واضحة ذلك أنّ يوم القيامة هو موعد القصاص العادل من أصحاب الأخدود وغيرهم؛ فإنّ أصحاب الأخدود في حقيقة الأمر لم يذكروا إلا كمثال للطغيان البشري الأرعن ولم ينوه بذكرهم إلا كأنموذج عابر لحالة الاستبداد الذي يمارسه الكثيرون من العتاة والجبابرة على مرّ الدهور والعصور, وإلا فإنّ أصحاب الأخاديد المشابهة وسدنة الظلم والجبروت كثيرون ، متواجدون في كلّ زمان! .
وهؤلاء جميعهم حسبهم ذلك اليوم الموعود حيث توضع الموازين القسط فلا تظلم نفس شيئاً .
وهؤلاء جميعهم حسبهم الحكم العدل سبحانه حيث يقتص من كل ظالم وينتقم من كل جبار عنيد .
وأما القسم بالشاهد والمشهود فلعل مناسبته ولطيف ذكره هو: أنَّ محاكمة أصحاب الأخدود ومحاسبتهم ، والاقتصاص منهم سيتم في هيئة تامة من العدالة حيث الشاهد على جريمتهم حاضر, والمشهود عليه أمرٌ واقع لا يمكن إنكاره وهذا ما يرجّح القول بأنّ (شَاهِدٍ ) يعمُّ كل شاهد بلا تحديد ( مَشْهُودٍ ) كل ما يشهد عليه دون تخصيصه بأمر ما .
( قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ{4} النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ{5} إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ{6} وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ{7} وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ{8} الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ {9} )
وفي هذا المقطع من السورة يعرض القرآن الكريم في لمحة خاطفة ملخصاً عابراً ، لأحداث القصة مكتفياً بأبرز ما فيها وهما عنصران :
1- أن عذاب أصحاب الأخدود للمؤمنين كان قاسيا لا يطاق وهو الإحراق بالنار .
2- أنه لا سبب لهذا العذاب إلا الإيمان بالله العزيز الحميد .
وكما تقدم – قبل قليل – فإنّ القرآن ذكر القصة كأنموذج لكل الحالات المشابهة لأخذ العبرة والعظة ، وتسلية المبتلين بهذه القصة ، وتوعد المجرمين ، بذات الوعيد ، وبقدر الجريمة !
فالمقام ليس مقام سرد أو استيعاب لكل حوادث التاريخ – وما أكثرها - ممّا قد يفوق جريمة هؤلاء بمراحل وإنما هو مقام تذكير ووعظ بما يؤدي الغرض وكفى !
وفي العصر الحديث كثر أصحاب الأخاديد بحيث تنكسر الأقلام وتفنى مئات الصحف قبل أن تستوعب بعض جرائمهم .
فجرائم الصليبيين بقيادة امبراطورية الشر ، وحاملة لواء النصرانية أمريكا فاقت كل تصور ، وتجاوزت كل حدّ .
لقد صبت هذه الدولة المجرمة جام نيرانها ودكت بطائراتها العملاقة وقنابلها التي تبلغ زنة بعضها قرابة العشرة من الأطنان أرض أفغانستان المسلمة, وغزت بجحافلها أرض العراق بعد أن أفرغت فوق حاضرته وباديته مئات الألوف من القنابل الفتاكة التي لا تعرف التمييز بين الكبير والصغير والذكر والأنثى؛ بل دكت المستشفيات على رؤوس المرضى ولوثت المياه وقطعت خطوط الكهرباء والهاتف وأشاعت الرعب والهلع وسمحت بالنهب والسرقة وانتهاك كل مُحرّم وممنوع !
ومثلها الدبُّ الروسي المتوحش ، والذي ظل عقداً من الزمان يمارس أبشع العدوان والبغي فوق أرض أفغانستان وخلّف ورائه ملايين القتلى وأضعافهم من الجرحى والمعوقين ولا يزال يمارس نفس الجريمة فوق أرض الشيشان ، وحسب القارئ أن يعلم أن ما ألقته روسيا على أرض الشيشان من القنابل والنيران يفوق عشر مرات حتى الآن ما ألقاه الحلفاء على ألمانيا النازية إبان الحرب العالمية !!
وما يفعله اليهود فوق أرض فلسطين برعاية الأمم الصليبية الكافرة وبرئاسة أمريكا وحليفتها انجلترا غير خاف على كل متابع لمسلسل البغي والظلم المتتابع الحلقات منذ ما يقرب من ستين عاماً !
ومثل ذلك ما يمارسه الهندوس الوثنيون فوق أرض كشمير وغيرها كثير ناهيك عن محاكم التفتيش التي هي واحدة من أبشع ما لدى الغرب الصليبي من حب الاستبداد والطغيان ضد الشعوب المسلمة خاصة وغير المسلمين عامة! .
فأي مقارنة إذاً بين تلك الحادثة الصغيرة التي تولى كبرها أصحاب الأخدود وبين هذا العدوان الشامل والحروب الشعواء التي لا يعرف لها نظير عبر التاريخ !؟
ومن عجب أنّ سبب التعذيب واحد وهو الإيمان بالله العزيز الحميد ، فإنّ هؤلاء الطواغيت الحمقى لا يروق لهم أبداً أن يفرد مالك الملك ،ومبدع الكون بالتوحيد والعبودية ، وليتهم إذ امتنعوا عن التسليم لله بحقه ، بالوحدانية والإلهية تركوا غيرهم يختارون لأنفسهم ما يرونه صواباً , ولكنهم أبو إلا أن يصدوا عن سبيل الله ويبغونها عوجا!
وقريب من العذاب بالنار والتقتيل والتشريد اضطهاد الفئة المؤمنة من خلال التضييق عليهم في أرزاقهم وفصلهم من وظائفهم ، وبخسهم حقوقهم بسبب إيمانهم واعتقادهم .
( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )
إنّ هذا الإله الذي يُعذّبُ أولياؤه ويُضطهد أحبابهُ يستحق بجدارة ذلك الإيمان العظيم الذي اعتنقه سائر المعذبين فهو مالك الملك ، وخالق الكون فأي شيء ينقمه أصحاب الأخدود ، وأمثالهم ممّن آمن به وأذعن له وخضع لكبريائه ؟!
وفي الآية تهديد لكل صاحب إخدود من هؤلاء وذلك من وجهين بل من وجوه .
1- أنّ الله تعالى له ملك السموات والأرض, وهذا يعني أنّ هؤلاء المجرمين المستبدين الممارسين لكل طغيان وصلف مملوكون لله تعالى وتحت تصرفه وفي محيط قبضته فأين يذهبون ؟ وإلى أين يفرون ؟
2- إذا كان هؤلاء يعيشون في ممالك الله الواسعة فكيف يتصرفون في أرض الملك بغير إذنه بل يفعلون خلاف أمره فما ذا عساها تكون العاقبة ؟ !
3- وقد ختمت الآية بقوله : ( وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) وهذا تهديد واضح من وجهين كذلك :
أ- أنّ الله شهيد على كلِّ شيء ، وليس على حادثة الأخدود فقط .
ب - أنه شهيد بنفسه سبحانه وهو أعظم شاهد كما قال الله تعالى : {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ }الأنعام (19) .

(إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ{10} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ{11} إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ{12} إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ{13} وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ{14} ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ{15} فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ{16} هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ{17} فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ{18} بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ{19} وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ{20} بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ{21} فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ{22}
هدايةُ الآيات :
بعد أن فرغ تعالى من عرض قصة أصحاب الأخدود باختصار أدّى الغرض ، ببلاغة تامة ، وأسلوب مؤثر؛ ندب في هذه الآيات كل فتّان إلى التوبة ، وفتح أبواب الندم والإنابة على مصراعيها ، ولم يُقنِّط عباده من رحمته وتدارك أخطائهم ، وتلافي ذنوبهم مهما كانت فادحة وخطيرة .
فأي عذر بعد هذا ؟ وأي رحمة فوق هذه ؟ ومن المؤكد أنّ من أصرّ على بغيه وعدوانه ، وأبى أن يغتنم الفرص ويبادر إلى التوبة النصوح فإنّه ذو طغيان وعناد ، وصنف كهذا ما أجدره بـ ( عَذَابُ جَهَنَّمَ ) و ( عَذَابُ الْحَرِيقِ ) .
ومن المهم الإشارة في هذه المقام بأنّ الفتنة المنهي عنها في هذه السورة ليست قاصرة على التعذيب الحسي فحسب بل هي تتناول ما هو أبعد من ذلك وأشمل ... فمن ذلك :
1- فتنة الناس عبر بث الفساد الإعلامي من أفلام وتمثيليات وبرامج ومشاهد لا أخلاقية تؤجج الشهوات وتثير الغرائز !
2- الفتنة عبر برامج التربية والتعليم فكثير من المناهج التعليمية في ديار المسلمين لا وجود لمادة التوحيد أو الحديث أو الفقه وإنما يعرض للناشئة المذاهب الفكرية الهدامة بل المعتقدات الإلحادية ، والنظريات الكفرية كالبعثية والبلشفية والقومية ، ونظرية دارون في التطور والارتقاء ، وكلّ ذلك ضرب من الفتنة بل أشد من فتنة الإحراق والقتل قال تعالى : { وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ } البقرة ( 191) .
3- الفتنة عبر تذويب حواجز النفرة من الكفار بإلغاء مبادئ الولاء والبراء وتهميش نواقض الإسلام ، والتقليل من شأنها وتمييع أصول الدين ومبانيه العظام .
4- الفتنة عبر السماح للأصوات النشاز من دعاة جهنم من منافقين وإباحيين في التبشير بمبادئهم الخبيثة وطرح أفكارهم المسمومة وترويج تطلعاتهم المشبوهة وتمرير مخططاتهم وبرامجهم الخطيرة!
( فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) :
ولشدة أثر الفتنة وسوء عواقبها وخطورة تبعاتها توعد الله الفتانين بعذاب جهنم ، وقد اتخذ هذا الوعيد صيغة التكرار من جهة وصيغة التقديم والتأخير من جهة ثانية .
فأما التكرار فهو واضح من خلال إعادة جملة : ( فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ) بـ صيغة أخرى : ( وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) وفي هذا ما فيه من التهديد والوعيد الذي تقشعر من هوله الأبدان! .
وأما التقديم والتأخير فقد تقدم نظير هذا والمراد تقديم الجار و المجرور في الجملتين وهو الخبر على المبتدأ وهو ( عَذَابُ) في الجملتين أيضاً .
وهذا التقديم والتأخير مفيد للحصر والاختصاص, أي كأنّ العذاب خاص ومحصور بهؤلاء دون غيرهم!
{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}
وهذه الآية الكريمة في مقابل الترهيب الذي سبقها وذلك أسلوب القرآن الكريم في المزاوجة بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد كما تضمنت الآية عدة محفزات مثيرة منها :
1- التقديم والتأخير في قوله " لَهُمْ جَنَّاتٌ " حيث قدم الخبر وهو الجار والمجرور ( لَهُمْ ) على المبتدأ (جَنَّاتٌ)، وهذا مفيد للحصر والاختصاص كما تقدم – مراراً – ثم ذكر .
2- وصف الجنات بأنها تجري من تحتها الأنهار وهي: أنهار الماء غير الآسن ، وأنهار العسل المصفى, وأنهار اللبن, وأنهار الخمر ، وغيرها ممّا نعرف بعضه ونجهل أكثره ثم ذكرتعالى:
3- بأنّ ذلك هو ( الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ) وهو الفوز الحقيقي لا فوز الصراعات الكروية والمسابقات الفنية والرياضية !
( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) : وفي هذه الآيات تقرير لقوة الله الباهرة ، وقدرته القاهرة فبطشه سبحانه شديد لا يحتمل ، وآيات عزته وجبروته لا تُبارى ولا تجارى! .
وهذه الآيات تذكير لكل من يعي الخطاب ، ويفهم الوعظ الجميل بأن يتخلى عن كبريائه ، ويتنازل عن صلفه وغروره ، وإلا فإنّ بطش الرب تعالى غير محتمل ، وقد ذكر الله في ختام السورة مثالاً لما جرى للفراعنة وثمود ، أما التفصيل ففي مواضع أُخر من الكتاب العزيز .
إذاً مهما أوتي البشر من قوة وقدرة على الإهلاك والتدمير والتعذيب فذاك مغمور أمام قدرة الله وبطشه المخيف المزلزل للقلوب والحناجر بل للأمم والممالك !
ومن أراد أن يتأكد فليتأمل ما جرى لفرعون وقومه من الاستدراج إلى البحار ثم الإغراق المذهل! .
وليتأمل ما الذي جرى لثمود حين أخذت الرجفة بمجامع قلوبهم فأسقطتها في أجوافهم .
وليتأمل ما جرى لعاد من تسليط الريح العقيم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً فأصبحوا أعجاز نخل خاوية .
وليتأمل ما جرى للقرى اللوطية حين رفعت قراهم إلى عنان السماء ثم نكست رأساً على عقب واتبعت بحجارة من سجيل !
( إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ) أي هو قادر سبحانه على الخلق ابتداءً, والإعادة بعد الموت, وإذا كان الأمر كذلك فأي داع للاستهانة بقدرة الله, والتكذيب بالبعث والنشور, أو الجزاء والحساب؟! .
(وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ) : أي متصف بكثرة المغفرة لكل من تاب وأناب, وهذا من واسع جوده ، وعظيم كرمه بخلاف الآدمي فإنه وإن غفر لأخيه خطأه وعفا عنه فإنه لا يحتفظ له بكبير مودة !
( ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ) أي: صاحب العرش الذي هو أكبر المخلوقات وأعظمها فما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا حلقة في فلاة وما الكرسي عند العرش إلا كذلك ، ومع هذا فالعرش مخلوق للهمملوك له سبحانه !
وقد وصف الله تعالى عرشه بالكرم والعظمة والمجد في ثلاث آيات من كتابه الكريم .
( فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ : ) وهذه صفة عظيمة لله تعالى دالة على كمال قدرته وتمام تصرفه فهو تعالى فعال لكل شيء يريده ؛ فأمره بين الكاف والنون وهذه مفعولاته سبحانه لا يحصيها إلا هو ولا يحيط بها علماً سواه .
( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ{17} فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ{18} بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ{19} وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ{20} بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ{21} فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) .
وقد تقدم قبل قليل ذكر ما جرى لجنود فرعون وثمود وفي قوله تعالى : (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ) : إشارة إلى عدم انتفاع هؤلاء الكفار بما جرى لأسلافهم من الخزي والنكال إذ لا زالوا سادرين في غيهم ، تائهين في صحراء غرورهم !
وقد تقدم ذكر شيء من صلف الأمريكان ، والروس ويهود وغيرهم الذين ما برحوا في سوم الشعوب المسلمة قصفاً وتقتيلاً وتشريداً !
ولكن جاء قوله تعالى : ( وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ ) عقب ذلك مباشرة حتى لا يصاب حزب الله وأنصار دينه بإحباط أو يأس, ويوقنوا بأنّ كيد هؤلاء ومكرهم مقدور عليه محاط بإرادة وقوة لا تغلب ولاتقهر !.
( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ{21} فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) .
وآخر مطاف هذه السورة أنْ ختمها تعالى بالتذكير بالقرآن العظيم الذي من أجله حورب المسلمون, ولأجله حقد الحاقدون, وشنأ الشائنون بيد أنّ ذلك كله لا ينبغي أن يكون مانعاً للمسلمين أن يستمروا على طريقتهم ويتشبثوا بعقيدتهم فإنّ الله ناصرهم ومؤيدهم ومظهرهم على عدوهم .
ومهما تخلى المسلمون عن القرآن وأزاحوه عن العمل والتطبيق ، وعن حياتهم الدستورية والاجتماعية وغيرها فلن يفرحوا بوئام العدو ومحبته ، أو على الأقل مهادنته وحياده!
ومصداقية ذلك أنّ مجرد الهوية المسلمة التي يحملها المسلمون كافية لإثارة كوامن أحقاده, وبعث خبيث لؤمه وبغضه .
وهي حقيقة جلّاها القرآن بقول الله تعالى : {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } البقرة ( 120)
لذا لا مناص من الأخذ بهذا القرآن بكل عزيمة وقوة وجد فهو خيار الأمة الوحيد وحينذاك لن ينال منها عدوها ما تقر به عينه أو يُشفى به صدره!! .
( فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ )
واللوح المحفوظ هو الذي كتب الله فيه مقادير كل شيء بما فيه تنزيل هذا القرآن على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين وهذا معنى(( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) فالقرآن قد يكون مكتوباً بأكمله في اللوح المحفوظ ، وقد يكون المكتوب ذكره فقط .
واللوح المحفوظ – بحفظ الله – مصون عن الزيادة والنقص والتحريف والتغيير وهذا من تمام شرف هذا اللوح وكماله ,والله أعلم وأحكم.

د. رياض بن محمد المسيميري

الفتى الذهبي
01-01-2011, 11:28 AM
جزاك الله خير

دنيا فانية
01-28-2011, 10:06 AM
بارك الله فيك وجزاك الله خيرا

شكرا لمرورك