مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة اعمال القلوب متجددة بإذن الله
دنيا فانية
05-15-2011, 10:19 AM
أعمال القلوب
من أعمال القلوب - محبة الله تعالى
من أجل أعمال القلوب وأعظمها حب الله تعالى؛ وحب ما يقرب إليه.
وحب الله تعالى هو رأس الإيمان؛ والحامل والباعث على العمل رغم المشقة الحاصلة منه؛ وهو أس العبودية وأساسها؛ والمُحب لله تعالى مؤثر له على كل شيء في الوجود؛ والمحبون لله تعالى هم القائمون بأوامره الشرعية؛ والمنتهون عن زواجره.
وقد ورد الأمر الشرعي بحب الله تعالى؛ وحب ما يقرب إلى حبه؛ وورد علامات لمحبة الله تعالى.
فقال تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ﴾ (المائدة/ 54).
وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ ﴾ (البقرة 165).
روى البخاري في صحيحه عن أنس - رضي اللَّهُ عنه - عن النّبيّ - صلّى اللَّهُ عليه وسلّم - قال: ) ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان اللّه ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، ومن أحبّ عبدا لا يحبّه إلّا للّه، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه كما يكره أن يلقى في النّار (.
وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه؛ ) أنّ رجلا سأل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: متى السّاعة يا رسول اللّه؟ قال: ما أعددت لها؟. قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكنّي أحبّ اللّه ورسوله. قال: أنت مع من أحببت (.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: والقرآن والسّنّة مملوءان بذكر من يحبّه اللّه سبحانه من عباده المؤمنين، وذكر ما يحبّه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم. كقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ (آل عمران/ 146)، ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (آل عمران/ 134، 148). فلو بطلت مسألة المحبّة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان. ولتعطّلت منازل السّير إلى اللّه. فإنّها روح كلّ مقام ومنزلة وعمل. فإذا خلا منها فهو ميّت لا روح فيه. ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها.
بل هي حقيقة الإخلاص، بل هي نفس الإسلام. فإنّه الاستسلام بالذّلّ والحبّ والطّاعة للّه. فمن لا محبّة له لا إسلام له البتّة. بل هي حقيقة شهادة أن لا إله إلّا اللّه.
فإنّ «الإله» هو الّذي يألهه العباد حبّا وذلّا، وخوفا ورجاء، وتعظيما وطاعة له، بمعنى «مألوه» وهو الّذي تألهه القلوب. أي تحبّه وتذلّ له.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-15-2011, 10:23 AM
من أعمال القلوب الخوف من الله تعالى
من أجل أعمال القلوب وأرفعها في ميزان العبد وأنفعها له في الحال والمآل خوف العبد من الله تعالى.
وقد حد علماء السلوك الخوف بأنه: اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف، يقول ابن رجب: القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات كان ذلك فضلا محمودا، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضا أو موتا، أو همّا لازما، بحيث يقطع عن السّعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة للّه عزّ وجلّ لم يكن محمودا.
ويقول الحافظ ابن حجر: الخوف من المقامات العلية، هو من لوازم الإيمان، قال تعالى: ﴿ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (سورة آل عمران آية: 175).
وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ (المائدة: 44).
وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ (فاطر: 28).
وقال - صلّى اللّه عليه وسلّم -: ) أنا أعلمكم باللّه وأشدّكم له خشية (، وكلّما كان العبد أقرب إلى ربّه كان أشدّ له خشية ممّن دونه، وقد وصف اللّه تعالى الملائكة بقوله: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾ (النحل 50)، والأنبياء بقوله: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾ (الأحزاب: 39)، وإنّما كان خوف المقرّبين أشدّ؛ لأنّهم يطالبون بما لا يطالب به غيرهم فيراعون تلك المنزلة، ولأنّ الواجب للّه منه الشّكر على المنزلة فيضاعف بالنّسبة لعلوّ تلك المنزلة، فالعبد إن كان مستقيما فخوفه من سوء العاقبة لقوله تعالى: ﴿ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾ (الأنفال: 24) أو نقصان الدّرجة بالنسبة، وإن كان مائلا فخوفه من سوء فعله، وينفعه ذلك مع النّدم والإقلاع ؛ فإنّ الخوف ينشأ من معرفة قبح الجناية والتّصديق بالوعيد عليها، وأن يحرم التّوبة، أو لا يكون ممّن شاء اللّه أن يغفر له، فهو مشفق من ذنبه طالب من ربّه أن يدخله فيمن يغفر له. ا. هـ.
وهذا الخوف المحمود يقترن بالرجاء كما في قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ (سورة الإسراء آية: 57)، وعن أنس -رضي اللّه عنه -أن النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم -دخل على شاب وهو في الموت، فقال: ) كيف تجدك؟ قال: واللّه يا رسول اللّه، إني أرجو اللّه، وإني أخاف ذنوبي. فقال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه اللّه ما يرجو، وآمنه مما يخاف (.
وقد وعد اللّه الخائفين بالجنة فقال: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ (سورة النازعات آية: 40 - 41).
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-15-2011, 10:27 AM
كن مؤمنا حقا
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فيا أخي الحبيب!!
كن مؤمنا حقيقيا وأكد إيمانك بالأقوال والأفعال، واحذر أن تكون من الذين قالوا: ﴿ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ (سورة البقرة: الآيات 8 - 10)، ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ (سورة الكهف: الآية 104).
بل كن من ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ (سورة الأنفال: الآيات 2 – 4)، و ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (سورة المؤمنون: الآيات 2 – 11).
فبهذا تستحق رحمة الله -سبحانه وتعالى- الذي يقول: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (سورة التوبة: الآية 71).
وبهذا تكون من المبشرين في قوله تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ (سورة يونس: الآية 2). ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ (سورة يونس: الآيتان 63، 64). ﴿ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (سورة الصف: الآية 13).
هذا والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-15-2011, 10:31 AM
كلمات في التقوى
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فيا إخوتي في الله!!
قال -صلى الله عليه وسلم-: ) أوصيك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله (.
وحسب العاقل أن يفهم هذا المعنى الكبير الذي ركز الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليه، وهو أن التقوى بالنسبة للعبادة كالرأس بالنسبة للجسد، فكما أنه لا حياة للإنسان بدون رأس، كذلك لا معنى للعبادة بدون تقوى.
وهي كما وصفها علي -رضي الله عنه-: «هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل».
وهي المحافظة على آداب الشريعة.
وهي مجانبة كل شيء يبعدك عن الله -سبحانه وتعالى-.
وهي «أن لا يراك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك».
والمتقون في هذه الدنيا كما وصفهم علي -رضي الله عنه-: «هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء، لولا الأجل الذي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقًا إلى الثواب، وخوفًا من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أيامًا قصيرة أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسرها لهم ربهم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وأسرتهم ففادوا أنفسهم منها. أما الليل فصافون أقدامهم تالون لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يحزنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعًا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقًا، وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، فظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى الله في فكاك رقابهم، وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض».
ومن أجل هذه الصفات الكريمة العظيمة، إذا قرأنا كتاب الله -سبحانه وتعالى- سنجد أنه تعالى قد وعد المتقين بكل فلاح ونجاح.
وعدهم بالحفظ والحراسة من الأعداء، فقال: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ (سورة آل عمران : الآية 120).
ووعدهم بالنصر والتأييد، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ (سورة النحل: الآية 128).
ووعدهم بالنجاة من الشدائد والرزق الحلال، فقال: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ (سورة الطلاق: الآيتان 2، 3).
ووعدهم بإصلاح العمل وغفران الذنوب، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ (سورة الأحزاب: الآيتان 70، 71).
ووعدهم بنور يمشون به، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (سورة الحديد: الآية 28).
ووعدهم بمحبته، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ (سورة التوبة: الآية 4).
ووعدهم بالإكرام، فقال: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ (سورة الحجرات: الآية 13).
ووعدهم بالبشرى في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ (سورة يونس: الآيتان 63، 64).
ووعدهم بالنجاة من النار، فقال: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ (سورة مريم: الآية 72).
ووعدهم بالخلود في الجنة، فقال: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ (سورة آل عمران: الآية 133).
وهم كما تحدث الله -سبحانه وتعالى- عنهم بعد ذلك، بقوله: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ (سورة آل عمران: الآيات 134 - 136).
فكن منهم حتى تفوز معهم بكل هذه الامتيازات العظيمة.
ولا تمش إلا مع رجال قلوبهم تحن إلى التقوى وترتاح للذكر.
هذا والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-15-2011, 10:34 AM
من أعمال القلوب - التواضع
من أفضل أعمال القلوب وأرفعها مقاما التواضع لله تعالى والتواضع للخلق.
والتواضع هو التذلل وخفض الجانب ولينه.
قال الرّاغب في مفرداته: الوضع أعمّ من الحطّ ومنه الموضع قال تعالى: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ (سورة النساء آية: 46)، وقد يستعمل هذا في الإيجاد والخلق كما في قوله سبحانه: ﴿ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴾ (سورة الرحمن آية: 10)، ويقال: رجل وضيع بيّن الضّعة في مقابل: رفيع بيّن الرّفعة، وقال في الصّحاح: «ووضع الرّجل (بالضم) يوضع ضعة وضعة أي صار وضيعا، ووضع منه فلان أي حطّ من درجته والتّواضع التّذلّل، والاتّضاع أن تخفض رأس البعير لتضع قدمك على عنقه فتركب قال الكميت: إذا اتّضعونا كارهين لبيعة
أناخوا لأخرى والأزمّة تجذب
ورجل موضّع أي مطّرح ليس بمستحكم الخلق.
وهناك فرق بين التواضع والمهانة؛ فالتّواضع يتولّد من بين العلم باللّه سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبّته وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها، فيتولّد من ذلك كلّه خلق هو التّواضع وهو انكسار القلب للّه وخفض جناح الذّلّ والرّحمة لعباده، فلا يرى له على أحد فضلا، ولا يرى له عند أحد حقًّا، بل يرى الفضل للناس عليه والحقوق لهم قبله، وهذا خلق إنّما يعطيه اللّه -عزّ وجلّ- من يحبّه ويكرّمه ويقرّبه.
وأمّا المهانة فهي الدّناءة والخسّة وبذل النّفس أو ابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها، كتواضع السّفلة في نيل شهواتهم، وتواضع طالب كلّ حظّ لمن يرجو نيل حظّه منه، فهذا كلّه ضعة لا تواضع، واللّه سبحانه يحبّ التّواضع ويبغض الضّعة والمهانة.
وقد وردت أدلة من الكتاب والسنة حاثة على التواضع ومثنية على المتواضعين؛ فمن ذلك أمر الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بأن يتواضع لأصحابه؛ فقال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ (سورة آل عمران آية: 159).
وقال تعالى عن بعض صفات المؤمنين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (سورة المائدة آية: 54).
وروى مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعيّ - رضي اللّه عنه -: أنّ رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال ذات يوم في خطبته: ) ألا إنّ ربّي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني، يومي هذا... ( الحديث، وفيه: ) وإنّ اللّه أوحى إليّ أن تواضعوا حتّى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد(.
وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - عن رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: ) ما نقصت صدقة من مال؛ وما زاد اللّه عبدا بعفو إلّا عزّا، وما تواضع أحد للّه إلّا رفعه اللّه (.
سئل الحسن البصريّ عن التّواضع؟ فقال: «التّواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلما إلّا رأيت له عليك فضلا».
وقال عبد اللّه بن المبارك -رحمه اللّه-: «رأس التّواضع أن تضع نفسك عند من دونك في نعمة الدّنيا حتّى تعلمه أنّه ليس لك بدنياك عليه فضل، وأن ترفع نفسك عمّن هو فوقك في الدّنيا حتّى تعلمه أنّه ليس له بدنياه عليك فضل».
وسئل الفضيل بن عياض - رحمه اللّه - عن التّواضع؟ فقال: «يخضع للحقّ، وينقاد له ويقبله ممّن قاله، ولو سمعه من صبيّ قبله، ولو سمعه من أجهل النّاس قبله».
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-15-2011, 10:36 AM
من أعمال القلوب - الإحسان
من أجل أعمال القلوب وأهمها وأرفعها مرتبة الإحسان.
وقد فسّر النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- عند ما سأله جبريل: ما الإحسان؟ فقال: ﴿ الإحسان أن تعبد اللّه كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك ﴾.
أمّا إذا ورد «الإحسان» مطلقا فإنّ المراد به فعل ما هو حسن، والحسن وصف مشتقّ من الحسن الّذي يراد به: «ما يكون متعلّق المدح في العاجل والثّواب في الآجل».
وقال الرّاغب: الإحسان: فعل ما ينبغي فعله من المعروف، وهو ضربان:
أحدهما: الإنعام على الغير.
والثّاني: الإحسان في فعله وذلك إذا علم علما محمودا، وعمل عملا حسنا، ومنه قول عليّ -رضي اللّه عنه-: النّاس أبناء ما يحسنون. أي منسوبون إلى ما يعلمون ويعملون.
وقد أمر الله تعالى بالإحسان حيث قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾ (سورة النحل آية: 90). وعظّم اللّه ثواب أهل الإحسان، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (سورة البقرة آية: 195). وقال عزّ وجلّ: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ (سورة الرحمن آية: 60) أي ما جزاء من أحسن في الدّنيا إلّا أن يحسن إليه في الآخرة.
والفرق بين الإحسان والإنعام أنّ الإحسان يكون لنفس الإنسان ولغيره. تقول: أحسنت إلى نفسي، والإنعام لا يكون إلّا لغيره.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-:
وهي لب الإيمان وروحه وكماله وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل فجميعها منطوية فيها وكل ما قيل من أول الكتاب إلى ههنا فهو من الإحسان.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-15-2011, 10:39 AM
من أعمال القلوب التضرع
من أهم أعمال القلوب التي أكد عليها الشارع الحكيم التضرع إلى الله تعالى؛ وصدق اللجأ إليه.
والتضرع هو التّذلّل والمبالغة في السّؤال والرّغبة، وقد أمر الله -تعالى- بالتضرع إليه حيث قال تعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ (سورة الأعراف آية: 55).
وقال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ (سورة الأعراف آية: 205).
وبين تعالى أن عدم التضرع إليه سبب للأخذ بالعذاب والنكال في الدنيا قبل الآخرة كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (سورة الأنعام، الآيات: 42-45).
وروى الإمام الترمذي وغيره عن الفضل بن عبّاس -رضي اللّه عنهما- أنّه قال: قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: ) الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى تَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَخَشَّعُ وَتَضَرَّعُ وَتَمَسْكَنُ وَتَذَرَّعُ وَتُقْنِعُ يَدَيْكَ يَقُولُ تَرْفَعُهُمَا إِلَى رَبِّكَ مُسْتَقْبِلًا بِبُطُونِهِمَا وَجْهَكَ وَتَقُولُ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ كَذَا وَكَذَا (.
وروى أيضا عن ابن عبّاس -رضي اللّه عنهما- أنّه قال: ) إنّ رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- خرج متبذّلا متواضعا متضرّعا، حتّى أتى المصلّى، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدّعاء والتّضرّع والتّكبير وصلّى ركعتين كما كان يصلّي في العيد (.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- في الوابل الصيب:
فإذا أراد الله بعبده خيرا فتح له من أبواب (التوبة) والندم والانكسار والذل والافتقار والاستعانة به وصدق اللجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات ما تكون تلك السيئة به رحمته حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أوقعه.
وهذا معنى قول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة ويعمل الحسنة يدخل بها النار قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه منه مشفقا وجلا باكيا نادما مستحيا من ربه تعالى ناكس الرأس بين يديه منكسر القلب له فيكون ذلك الذنب أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة، ويفعل الحسنة فلا يزال يمن بها على ربه ويتكبر بها ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها ويقول: فعلت وفعلت، فيورثه من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-15-2011, 10:42 AM
من أعمال القلوب الحيــاء
من أجل الأعمال المتعلقة بعمل القلب الحياء من الله تعالى.
والحياء مصدر حيي الّتي تدلّ على الاستحياء الّذي هو ضدّ الوقاحة، قال أبو زيد يقال: حييت منه أحيا إذا استحييت، وقال ابن منظور: الحياء: التّوبة والحشمة، يقال: حيي منه حياء، واستحيا، واستحى حذفوا الياء الأخيرة كراهية التقاء الياءين، و(الصّيغتان) الأخيرتان تتعدّيان بحرف وبغير حرف، يقولون: استحيا منك واستحياك واستحى منك واستحاك، والحياء يكون بمعنى الاستحياء.
أما الحياء فقد عُرف من جهة العبد بأنه: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به.
وقيل هو: خلق يبعث على ترك القبح ويمنع من التّقصير في حقّ ذي الحق.
وقد ورد في الشرع الأمر بالحياء في نصوص كثيرة مما يدل على أهميته ومكانته.
من ذلك قوله تعالى: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ (سورة القصص آية: 25) ، وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ﴾ (سورة الأحزاب آية: 53).
وروى الترمذي وغيره عن عبد اللّه بن مسعود -رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: ) استحيوا من اللّه حقّ الحياء، قال: قلنا: يا رسول اللّه، إنّا نستحيي والحمد للّه، قال: ليس ذاك، ولكنّ الاستحياء من اللّه حقّ الحياء: أن تحفظ الرّأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدّنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من اللّه حقّ الحياء (.
وروى البخاري في صحيحه عن أبي مسعود البدريّ -رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: ) إنّ ممّا أدرك النّاس من كلام النّبوّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت (.
وروى البخاري أيضا في صحيحه عن أبي هريرة -رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: ) الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان (.
وروى الترمذي وغيره عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه -رضي اللّه عنه- قال: ) قلت: يا رسول اللّه، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلّا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، فقال: الرّجل يكون مع الرّجل؟ قال: إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل، قلت: والرّجل يكون خاليا، قال: فاللّه أحقّ أن يستحيا منه (.
وروى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدريّ -رضي اللّه عنه- قال: ) كان رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- أشدّ حياء من العذراء في خدرها (.
قال الإمام ابن القيّم -رحمه اللّه تعالى-: وخلق الحياء من أفضل الأخلاق وأجلّها وأعظمها قدرا وأكثرها نفعا، بل هو خاصّة الإنسانيّة، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانيّة إلّا اللّحم والدّم وصورتهما الظّاهرة، كما أنّه ليس معه من الخير شيء، ولولا هذا الخلق لم يقر الضّيف، ولم يوف بالوعد، ولم تؤدّ أمانة، ولم تقض لأحد حاجة، ولا تحرّى الرّجل الجميل فآثره، والقبيح فتجنّبه، ولا ستر له عورة، ولا امتنع من فاحشة. وكثير من النّاس لولا الحياء الّذي فيه لم يؤدّ شيئا من الأمور المفترضة عليه، ولم يرع لمخلوق حقّا، ولم يصل له رحما، ولا برّ له والدا؛ فإنّ الباعث على هذه الأفعال إمّا دينيّ، وهو رجاء عاقبتها الحميدة، وإمّا دنيويّ علويّ، وهو حياء فاعلها من الخلق. فقد تبيّن أنّه لولا الحياء إمّا من الخالق أو من الخلائق لم يفعلها صاحبها.
ثمّ قال -رحمه اللّه-: إنّ للإنسان آمرين وزاجرين، آمر وزاجر من جهة الحياء، فإذا أطاعه امتنع من فعل كلّ ما يشتهي، وله آمر وزاجر من جهة الهوى والطّبيعة، فمن لم يطع آمر الحياء وزاجره، أطاع آمر الهوى والشّهوة ولا بدّ.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-15-2011, 10:43 AM
حديث إنما الأعمال بالنيات
- جامع العلوم والحكم لابن رجب. - الوافي في شرح الأربعين النووية/ لدكتور مصطفى البغا ومحيي الدين مستو. - قواعد وفوائد من الأربعين النووية/ لناظم سلطان. - شرح الشيخ ابن عثيمين للأربعين النووية.
بسم الله الرحمن الرحيم
عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ) إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه (.
منزلة الحديث:
هذا الحديث من جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم- قال الشوكاني: هذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام حتى قيل إنه ثلث العلم، ومن تعظيم العلماء لهذا الحديث رأوا البداءة به في مصنفاتهم وذلك تنبيها لطالب العلم إلى تصحيح نيته، قال عبد الرحمن المهدي: {من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ بهذا الحديث}، عمل بهذه النصيحة البخاري -رحمه الله- بدأ به في صحيحه، وكذلك تقي الدين المقدسي في كتابه عمدة الأحكام، والسيوطي في جامعه الصغير، والنووي في المجموع، وقال أبو عبيد: (ليس في الأحاديث أجمع ولا أغنى ولا أنفع ولا أكثر فائدة منه).
هل الحديث سيق بسبب مهاجر أم قيس؟
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: من هاجر يبتغي شيئا فإنما له ذلك، هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها: أم قيس، فكان يقال له: مهاجر أم قيس، وفائدة معرفة سبب صدور الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- مُعينٌ على فهمه.
معنى الحديث:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: ) إنما الأعمال بالنيات( هذا التركيب يفيد الحصر ومعنى الحصر فيه: إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه، هنا لا بد من تقدير المضاف المحذوف، واختلف في تقديره، ويحتمل أن يكون التقدير في قوله "الأعمال بالنيات": صالحة أو فاسدة أو مقبولة ومردودة أو مثاب عليها أو غير مثاب عليها، (بالنيات): فيكون خبرا عن الحكم الشرعي، وهو أن صلاحها وفسادها بحسب صلاح النية وفسادها، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: ) إنما الأعمال بالخواتيم ( أي: إن صلاحها وفسادها وقبولها وعدمها بحسب الخاتمة.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ) وإنما لكل امرئ ما نوى ( إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه به، فإن نوى خيرا حصل له خير، وإن نوى به شرا حصل له الشر، وليس هذا تكريرا محضا للجملة الأولى، فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وقد تكون نيته مباحة فيكون العمل مباحا، فلا يحصل له ثواب ولا عقاب، فالعمل في نفسه صلاحه وفساده وإباحته بحسب النية الحاملة عليه المقتضية لوجوده، وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب النية التي صار بها العمل صالحا أو فاسدا أو مباحا.
وهنا سؤال يطرح نفسه ما هي النية، وما هو عملها، وأين محلها، وما حكم التلفظ بها؟
النية لغة هي: القصد، لذلك يقولون: نوى الشيء ينويه نية. وانتواه: قصده ونوى المنزل، وانتواه، ويقولون: نواك الله بالخير قصدك به.
في الشرع: لم يضع الشرع للنية تعريفا خاصا بها، لذلك ذهب جمع من العلماء إلى تعريفها بمدلولها اللغوي منهم النووي -رحمه الله- قال: النية هي القصد إلى الشيء والعزيمة على فعلها، ومنهم القرافي قال -رحمه الله-: هي قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله.
عملها كما ذكرها العلماء يقع في معنيين:
1. تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر عن صلاة العصر مثلا، أو تمييز العبادات عن العادات كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظيف ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيرا في كلام الفقهاء في كتبهم.
2. تمييز المقصود بالعمل، هل هو لله تعالى أم لله وغيره، وهذه النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي توجد كثيرا في كلام السلف المتقدمين، وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفا سماه: كتاب {الإخلاص والنية}.
محلها: محل النية القلب، وحكم التلفظ بها بدعة منكرة، لأنه لم يثبت في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يدل على مشروعيتها، ومما هو معلوم أن الأصل في العبادات التحريم، ولا تثبت العبادة إلا بنص.
قوله -صلى الله عليه وسلم-: ) فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ( لمّا ذكر -صلى الله عليه وسلم- أن الأعمال بالنيات، وأن حظ العامل من عمله نيته من خير وشر، هاتان كلمتان جامعتان وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء، ذكر بعد ذلك مثلا من الأمثال والأعمال التي صورتها واحدة ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات، وكأنه يقول: سائر الأعمال على حذو هذا المثال، وأصل الهجرة هُجران بلد الشرك والانتقال منه إلى دار الإسلام، كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فحكم الهجرة واجبة من أرض الكفار إلى ديار الإسلام على المسلم الذي لا يتمكن من إظهار دينه، وهذا الحكم باق وغير مقيد؛ وأما خبر: ) لا هجرة بعد الفتح ( فالمقصود: لا هجرة من مكة بعد فتحها، لأنها صارت دار الإسلام.
تطلق الهجرة: على هجر ما نهى الله عنه فـ: ) المهاجر من هجر ما نهى الله عنه (، وهجر المسلم أخاه فوق ثلاث، وهجر المرأة فراش زوجها، وقد يجب على المسلم أن يهجر أخاه المسلم العاصي.
أثر النية الصالحة على المباحات:
يعرف علماء الأصول المباح بالآتي: (هو الذي لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، ويكون فعله وتركه سيان)، ولكن المباح إذا خالطته النية الصالحة، يكون بذلك قربة ويثاب فاعله على ذلك، فمن أكل أو شرب ونوى التقوي على طاعة الله ورسوله، يثاب على هذه النية وكذلك من نوى بكسبه كف وجهه عن المسألة، والإنفاق على عياله وهكذا.
ومن فوائد الحديث: أن النية من الإيمان، لأنها عمل القلب، والإيمان عند أهل السنة والجماعة تصديق بالجنان، ونطق باللسان وعمل بالأركان، لذلك ساق الإمام البخاري هذا الحديث في كتاب الإيمان.
ويجب على المسلم قبل القدوم على العمل أن يعرف حكمه، هل هو مشروع أم لا، هل هو واجب أم مستحب، لأن في الحديث العمل يكون منتفيا إذا خلا من النية المشروعة فيه.
كل عمل نافع وخيّر يصبح بالنية والإخلاص وابتغاء رضاء الله تعالى عبادة.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-15-2011, 10:46 AM
من أعمال القلوب الخشوع
من أهم الأعمال المتعلقة بعمل القلب الخشوع لله تعالى.
والخشوع كما قال ابن فارس يدل على معنى واحد هو التّطامن، يقال: خشع فلان إذا تطامن وطأطأ رأسه، وهو قريب المعنى من الخضوع، إلّا أنّ الخضوع في البدن وهو الإقرار بالاستخذاء، والخشوع في البدن والصّوت والبصر، قال تعالى: ﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ ﴾ (القلم، آية: 43) ، قال ابن دريد: الخاشع: المستكين والرّاكع، وقال الرّاغب: الخشوع الضّراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضّراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب ولذلك قيل فيما روي: إذا ضرع القلب خشعت الجوارح.
وفي تعريفه قال ابن القيّم -رحمه اللّه-: والحقّ أنّ الخشوع معنى يلتئم من التّعظيم والمحبّة والذّلّ والانكسار.
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-: الخشوع في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: الذّلّ. ومنه قوله تعالى في طه: ﴿ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ ﴾ (طه، آية: 108).
والثّاني: سكون الجوارح. ومنه قوله تعالى في المؤمنون: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ (المؤمنون، آية: 2).
والثّالث: الخوف. ومنه قوله تعالى في الأنبياء: ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ (الأنبياء، آية: 90).
والرّابع: التّواضع. ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ (البقرة، آية: 45).
ويمكن أن يضاف إلى ذلك وجه خامس وهو: اليبس والجمود، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً ﴾ (فصلت، آية: 39).
وقد ورد الأمر بخشية الله تعالى في القرآن في غير ما آية؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ (سورة الحديد آية: 16).
وعن عليّ بن أبي طالب -رضي اللّه عنه- عن رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- أنّه كان إذا قام إلى الصّلاة قال: ) وجّهت وجهي للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه ربّ العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللّهمّ أنت الملك لا إله إلّا أنت. أنت ربّي وأنا عبدك. ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق. لا يهدي لأحسنها إلّا أنت. اصرف عنّي سيّئها لا يصرف عنّي سيّئها إلّا أنت. لبّيك وسعديك، والخير كلّه في يديك. والشّرّ ليس إليك، أنا بك وإليك. تباركت وتعاليت. أستغفرك وأتوب إليك (. وإذا ركع قال: ) اللّهمّ لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخّي وعظمي وعصبي ( .
قال ابن القيّم -رحمه اللّه-: الخشوع هو الاستسلام للحكمين: الدّينيّ الشّرعيّ، بعدم معارضته برأي أو شهوة، والقدريّ بعدم تلقّيه بالتّسخّط والكراهية والاعتراض. والاتّضاع لنظر الحقّ، وهو اتّضاع القلب والجوارح وانكسارها لنظر الرّبّ إليها، واطّلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح، وخوف العبد الحاصل من هذا يوجب له خشوع القلب لا محالة. وكلّما كان أشدّ استحضارا له كان أشدّ خشوعا، وإنّما يفارق الخشوع القلب إذا غفل عن اطّلاع اللّه عليه ونظره إليه.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
طرح ومجهود طيب
جزاك الله خيرا وبارك فيك
دنيا فانية
05-15-2011, 10:49 AM
من أعمال القلوب الإنابة_1
من أعمال القلوب التي أكد عليها الشرع وأمر بها الإنابة إلى الله تعالى.
والإنابة في اللغة تعني الرجوع، يقال: أناب فلان إلى الشّيء، رجع إليه مرّة بعد أخرى، وإلى اللّه تاب ورجع.
وقد عرفها الإمام ابن القيم -رحمه الله- حيث قال: الإنابة: الإسراع إلى مرضاة اللّه مع الرّجوع إليه في كلّ وقت، وإخلاص العمل له.
والإنابة كما وردت في نصوص الشرع قسمان:
إنابة لربوبيّته. وهي إنابة المخلوقات كلّها. يشترك فيها المؤمن والكافر، والبرّ والفاجر. قال اللّه تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ (سورة الروم آية: 33) . فهذا عامّ في حقّ كلّ داع أصابه ضرّ. كما هو الواقع. وهذه «الإنابة» لا تستلزم الإسلام، بل تجمع الشّرك والكفر. كما قال تعالى في حقّ هؤلاء: ﴿ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ ﴾ (سورة الروم الآيتان: 33-34) . فهذا حالهم بعد إنابتهم.
والإنابة الثّانية. إنابة أوليائه. وهي إنابة لإلهيّته إنابة عبوديّة ومحبّة، وهي تتضمّن أربعة أمور: محبّته، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عمّا سواه. فلا يستحقّ اسم «المنيب» إلّا من اجتمعت فيه هذه الأربع. وتفسير السّلف لهذه اللّفظة يدور على ذلك.
وقد ورد الأمر في كتاب الله تعالى بالإنابة والرجوع إليه سبحانه والإذعان لأمره والانتهاء عن نهيه؛ فقال جل وعلا: ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾ (سورة الزمر آية: 54)
ومدح عباده الصالحين من الأنبياء والمرسلين بأنهم ينيبون إليه ويرجعون في السراء والضراء إليه؛ فقال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴾ (سورة هود آية: 75) ، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ (سورة ص الآيتان: 34- 35) .
فالإنابة إلى الله -تعالى- من أجل أعمال القلوب التي يتعبد بها العبد لله -تعالى-، وقد امتثلها خير البشر من الأنبياء والمرسلين، فأنابوا إلى الله -تعالى-، ورجعوا إليه واستغفروه.
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-:
الإنابة هي عكوف القلب على اللّه -عزّ وجلّ- كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه، وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبّته، وذكره بالإجلال والتّعظيم، وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله، ومن لم يعكف قلبه على اللّه وحده، عكف على التّماثيل المتنوّعة، كما قال إمام الحنفاء لقومه: ﴿ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾ (سورة الأنبياء آية: 52).
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-15-2011, 10:51 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
طرح ومجهود طيب
جزاك الله خيرا وبارك فيك
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بارك الله قيك
وشكرا لمرورك
دنيا فانية
05-15-2011, 10:53 AM
من أعمال القلوب الإنابة 2
من أعمال القلوب العظيمة التي مدح الباري جل وعلا عباده المؤمنين المتقين أنهم ينيبون إليه، فالإنابة عمل قلبي ذو منزلة عالية؛ وقد أثنى الله عز وجل على خليله إبراهيم عليه السلام حيث قال: ﴿ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴾ ( سورة هود آية: 75 ) .
وقال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ ( سورة الروم آية: 30 - 31 ) .
وقال تعالى: ﴿ وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴾ ( سورة الزمر آية: 54 ) .
وعن ابن عبّاس- رضي اللّه عنهما- ) أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول إذا قام إلى الصّلاة من جوف اللّيل: "اللّهمّ لك الحمد أنت نور السّماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيّام السّماوات والأرض، ولك الحمد أنت ربّ السّماوات والأرض ومن فيهنّ. أنت الحقّ، ووعدك الحقّ، وقولك الحقّ، ولقاؤك حقّ، والجنّة حقّ، والنّار حقّ، والسّاعة حقّ. اللّهمّ لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكّلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدّمت وأخّرت، وأسررت وأعلنت، أنت إلهي لا إله إلّا أنت( ( رواه مسلم ) .
قال ابن القيّم- رحمه اللّه-: "الإنابة هي عكوف القلب على اللّه- عزّ وجلّ- كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه، وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبّته، وذكره بالإجلال والتّعظيم، وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله، ومن لم يعكف قلبه على اللّه وحده، عكف على التّماثيل المتنوّعة، كما قال إمام الحنفاء لقومه: ﴿ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ﴾ ( سورة الأنبياء آية: 52 ) ( الفوائد (196). ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ ( سورة هود آية: 88 ) فَإِنَّ الْإِنَابَةَ إلَى اللَّهِ وَالْمَتَابَ هُوَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ بِعِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَالْعَبْدُ لَا يَكُونُ مُطِيعًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ - فَضْلًا أَنْ يَكُونَ مِنْ خَوَاصِّ أَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ - إلَّا بِفِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ. ( مجموع الفتاوى (8 / 527). ) .
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-15-2011, 10:55 AM
مراتب التقوى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
مفتاح السعادة الحقيقي تقوى الله، وهي أصل السعادة، رفع الله مكانتها، وأعلى شأنها، وأوصى بها الأولين والآخرين، وهي -كما قال الغزالي- كنز غزير، فلئن ظفرت به، فكم تجد فيه من جوهر شريف، وخير كثير، ورزق كريم، وفوز كبير وغنم جسيم، فكأن خيرات الدنيا والآخرة جمعت فجعلت تحت الخصلة الواحدة التي هي التقوى.
الأولى: التوقي من العذاب المخلد بالتبرؤ من الشرك، وعليه قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ﴾ [الفتح: ٢٦].
الثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر، وهو المعني بقوله -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف: ٩٦]. وعلى هذا قول عمر بن عبد العزيز: التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله.
الثالثة: أن يترك ما يشغل سره عن الله، وهذه هي التقوى الحقيقية المطلوبة بقوله -سبحانه وتعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
يقول ابن عمر -رضي الله عنهما- هي: أن لا ترى نفسك خيرًا من أحد، وتطلق التقوى في القرآن على ثلاثة أشياء:
أحدها: بمعنى الخشية والهيبة قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ [البقرة: ٤١] ، وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ [البقرة: ٢٨١].
والثاني: بمعنى الطاعة والعبادة، قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ، قال ابن عباس: أطيعوه حق طاعته.
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: هو أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
الثالث: بمعنى تنزيه القلب عن الذنوب، فهذه حقيقة التقوى، قال -سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [النور: ٥٢] ، ذكر الطاعة والخشية، ثم ذكر التقوى، فعُلم أن لحقيقة التقوى معنى سوى الطاعة والخشية.
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، والصلاة والسلام على النبي، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-15-2011, 10:56 AM
علموا أبناءكم التقوى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فعلى كل أب وأم أن يعلموا أبناءهم ما يسعدهم في الدنيا والآخرة من العلوم الشرعية النافعة، وأهم ذلك التوحيد، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ) ما مِن مولودٍ إلا يُولَدُ على الفِطْرةِ فأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أوْ يُنَصِّرانِهِ، أوْ يُمجِّسانِهِ (، وكذلك الآداب والحقوق والواجبات، علموهم بر الوالدين، علموهم صلة الأرحام، علموهم احترام الكبير، والعطف على الصغير. ولدتك أمك باكيا مستصرخا
والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا
في يوم موتك ضاحكا مسرورا
يوم يقع الطفل على الأرض يكون المسئول الأول عنه هو الأب، فواجبه أن يقوده إلى بر السلام، وإلى طريق الجنة.
يقول لقمان لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣]، أي: احذر أن تكون مشركًا، واحذر أن تجعل لله ندًّا، وقال: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾، [لقمان: ١٧]، فهل سمعت أسلوبًا أعجب من هذا؟!
ثم قال: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [لقمان: ١٨]، أي لا تتكبر على عباد الله ولا تزله ولا تكن معجبا بنفسك فأنت عبد للواحد الأحد، ثم قال له: ﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ [لقمان: ١٩]. فكن أديبا موجهًا، والرسول صلى الله عليه وسلم اعتنى بتربية الأولاد، بل هو الذي نشر الفضيلة. إن البرية يوم مبعث أحمد
نظر الإله لها فبدل حالها
ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لأنس -رضي الله عنه-: ) يا بُنَيَّ إن قَدَرْتَ أن تُصْبِحَ وتُمْسِيَ ولَيس في قلبك غِشّ لأحد فَافْعَل (. وقال -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس -رضي الله عنهما-: ) يَا غُلامُ إِنِّي أُعلِّمكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَل اللَّه، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَو اجتَمعتْ عَلَى أَنْ ينْفعُوكَ بِشيْءٍ، لَمْ يَنْفعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَد كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بَشَيْءٍ قد كَتَبَهُ اللَّه عليْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ، وجَفَّتِ الصُّحُفُ (.
فهل أوصى الآباء أبناءهم بهذه الكلمة، وهل قال الأب لابنه عندما يذهب إلى المدرسة أو إلى مزرعته (احفظ الله)، فلينظر كل منا كيف سيحاسب في تربية أبنائه، وليؤد واجبه نحوهم.
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، والصلاة والسلام على النبي، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-15-2011, 10:58 AM
من أعمال القلوب - التوكل1
التوكل على الله تعالى من أجل أعمال القلوب التي عليها مدار صلاح العبد في الدنيا قبل الآخرة.
وقد عُرِّف التوكل بأنه: الاعتماد على الله سبحانه وتعالى في جلب المطلوب وزوال المكروه مع فعل الأسباب المأذون فيها.
وقد أمر الله عز وجل بالتوكل عليه في غير ما آية من كتابه الكريم، فقال سبحانه: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ (سورة آل عمران آية: 159) ، وقال تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ (سورة التوبة آية: 51).
وعن أنس بن مالك -رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ) إذا خرج الرّجل من بيته فقال: بسم اللّه، توكّلت على اللّه، لا حول ولا قوّة إلّا باللّه. قال: يقال حينئذ: هديت وكفيت ووقيت فتتنحّى له الشّياطين، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي (.
وعن ابن عبّاس- رضي اللّه عنهما- قال: ) حسبنا اللّه ونعم الوكيل. قالها إبراهيم عليه السّلام حين ألقي في النّار، وقالها محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم حين قالوا: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ ((سورة آل عمران آية: 173).
وعن عمر بن الخطّاب- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ) لو أنّكم توكّلتم على اللّه حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا وتروح بطانا (.
قال ابن القيّم رحمه الله: التّوكّل من أعظم الأسباب الّتي يحصل بها المطلوب، ويندفع بها المكروه. فمن أنكر الأسباب لم يستقم معه التّوكّل.
ولكن من تمام التّوكّل: عدم الرّكون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه باللّه لا بها، وحال بدنه قيامه بها. فالأسباب محلّ حكمة اللّه وأمره ونهيه. والتّوكّل متعلّق بربوبيّته وقضائه وقدره، فلا تقوم عبوديّة الأسباب إلّا على ساق التّوكّل ولا يقوم ساق التّوكّل إلّا على قدم العبوديّة.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-15-2011, 11:01 AM
من أعمال القلوب - التوكل 2
التوكل على الله عز وجل وتفويض الأمور إليه من أعظم ما يتعبد به المرء لله تعالى، لأنه سبحانه أخبر بأنه: يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
وحقيقة التوكل هي : الاعتماد المطلق على الله تعالى في جميع الأمور؛ من جلب المنافع ودفع المضار.
وقد أمر الله تعالى بالتوكل عليه وصدق اللجأ إليه في غير ما آية من كتابه الكريم؛ فقال تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ (الأحزاب: من الآية 48).
وقوله : ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ﴾ (الفرقان: من الآية 58).
وقوله : ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾ (النمل:79).
بل إن الله تعالى جعل التوكل شرطاً لصحة الإيمان فقال سبحانه : ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (المائدة: من الآية 23).
وقال الكليم موسى عليه السلام : ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ (يونس: من الآية 84).
وروى الترمذي وغيره عن أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ) إذا خرج الرّجل من بيته فقال: بسم اللّه، توكّلت على اللّه، لا حول ولا قوّة إلّا باللّه. قال: يقال حينئذ: هديت وكفيت ووقيت، فتتنحّى له الشّياطين، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟ ( . ( رواه الترمذي )
وروى البخاري عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما قال: ) حسبنا اللّه ونعم الوكيل. قالها إبراهيم عليه السّلام حين ألقي في النّار، وقالها محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم حين قالوا: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ ( ( سورة آل عمران آية: 173 ) } . (رواه البخاري).
فالتوكل عبادة عظيمة من أهم أعمال القلوب التي ترفع العبد إلى مقامات رفيعة.
ولكن مما يجب التفطن له أن التوكل لا يعني ترك الأسباب وعدم الأخذ بها، لأن فعل الأسباب هو من التوكل أيضًا الذي أمر الله بالأخذ به، ولا ينافي التوكل.
قال ابن القيّم رحمه الله: التّوكّل من أعظم الأسباب الّتي يحصل بها المطلوب، ويندفع بها المكروه. فمن أنكر الأسباب لم يستقم معه التّوكّل.
ولكن من تمام التّوكّل: عدم الرّكون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه باللّه لا بها، وحال بدنه قيامه بها.
فالأسباب محلّ حكمة اللّه وأمره ونهيه.
والتّوكّل متعلّق بربوبيّته وقضائه وقدره، فلا تقوم عبوديّة الأسباب إلّا على ساق التّوكّل، ولا يقوم ساق التّوكّل إلّا على قدم العبوديّة ( مدارج السالكين (2 / 125). ) .
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-16-2011, 08:37 AM
من إيثار السلف
لقد ورد عن سلف هذه الأمة أخبار كثيرة تدل على حبهم الإيثار وكراهتهم الشحّ والأثرة، وقصة الصحابي وامرأته اللذين آثرا ضيف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعشائهما وعشاء أولادهما، مشهورة، وكذلك مما يُروى في ذلك:
1- قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ) إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحدٍ بالسويّة، فهم مني وأنا منهم ( [متفق عليه].
2- قال عروة: رأيت عائشة – رضي الله عنها - تقسم سبعين ألفًا، وهي ترفع دِرْعَها. [الزهد لأحمد ص: 206].
3- وعن عروة أيضًا قال: باعت عائشة – رضي الله عنها - مالها بمائة ألف، فقسَّمته كله، ثم أفطرت على خبز الشعير، فقالت مولاة لها: ألا كنتِ أبقيت لنا من ذا المال درهمًا نشتري به لحمًا، فتأكلين ونأكل معكِ؟ قالت عائشة: أفلا ذكّرتيني؟! [عائشة ص (48)].
4- عن نافع أن ابن عمر – رضي الله عنهما - اشتهى عنبًا وهو مريض، فاشتريت له عنقودًا بدرهم، فجئت به، فوضعته في يده، فجاء سائل، فقام على الباب، فقال ابن عمر: ادفعه إليه. قلت: ذق منه. قال: لا، ادفعه إليه، فدفعته إليه. [الحلية 1/297].
- وعنه قال: اشتهى ابن عمر حوتًا – أي سمكًا – فاشتريت له سمكة، فشُويت، فوضعت بين يديه، فجاء سائل، فأمر بها كما هي، ما ذاق منها شيئًا، فقالوا: نعطه خيرًا من ثمنها، فأبى. [الحلية 1/298].
فلله در هؤلاء القوم الذين آثروا ما عند الله – سبحانه وتعالى – على ما بين أيديهم، فكانت الصدقة التي يخرجونها على خصاصة أحب إليهم من تلذذهم بها.
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، والصلاة والسلام على النبي، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-16-2011, 08:37 AM
اليقين
لقد تكلمنا في الأسبوع الماضي عن مكانة الشهادتين، وذكرنا أن أئمة السلف وضعوا شروطا للشهادتين التي لا تنفع قائلها إلا باجتماعها، ومنها اليقين.
واليقين في لغة العرب هو: العلم وإزاحة الشك، وتحقيق الأمر.
وقد أورد أهل العلم أكثر من معنى لليقين، كلها لا تبعد عن هذا المعنى، وحتى يتبين الأمر لي ولك انظر إلى هذه الآيات التي وردت في معنى اليقين:
1- قال الله تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ (سورة الحجر آية: 99) أي الموت.
2- وقال تعالى: ﴿ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾ (سورة المدثر الآيتان: 46-47).
3- وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ (سورة البقرة آية: 46) وهنا سمي الظن يقينا.
ولا شك عند أهل اللغة أن اليقين هو: أعلى درجات الإدراك.
أما اليقين في الشرع:
فمن معاني اليقين الذي يهمنا في هذا المقام، أو في هذا البحث اليقين من حيث هو أصل للإيمان إذ لا إيمان مع الشك.
وإذا نظر إلى هذا المعنى، فهو شرط من شروط "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وعليه يجب أن يكون كل مؤمن موقنا وإلا انتفى الإيمان عنه.
وخذ أخي العزيز: النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، الدالة على هذا المعنى:
1- قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ (سورة الحجرات آية: 15).
2- وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ (سورة التوبة آية: 45).
وأخبر الله عن الكفار حين قالوا لرسلهم: ﴿ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (سورة إبراهيم الآيتان: 9-10).
وأخبر سبحانه أنهم إذا طلب منهم الإيمان بالبعث قالوا: ﴿ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ (سورة الجاثية آية: 32).
أما السنة النبوية فقد قال صلى الله عليه وسلم: ) من شهد أن لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه، أو يقينا من قلبه لم يدخل النار ( (سورة النساء آية: 65).
أما مقالات بعض أهل العلم في اليقين:
فقد قال الحسن البصري رحمه الله: ما طلبت الجنة إلا باليقين، ولا هربت النار إلا باليقين، ولا أديت الفرائض إلا باليقين، ولا صبر على الحق إلا باليقين".
وقال سفيان الثوري رحمه الله: "لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطارت القلوب اشتياقا إلى الجنة، وخوفا من النار".
أخي العزيز: إن اليقين هو روح أعمال القلوب التي هي روح أعمال الجوارح، كما أن اليقين عمل قلبي من أجل أعمال القلوب، بل هو روحها، ومع ذلك فهو أنواع، وللناس فيه درجات متفاوتة.
ذكر أهل العلم أن أنواع اليقين تنقسم إلى نوعين اثنين وهما:
1- يقين في خبر الله.
2- يقين في أمر الله الشرعي الكوني.
وأن اليقين في خبر الله، هو الإيمان بصدقه، وتحقق وقوعه، إيمانا لا شك فيه.
وأما المراد بخبر الله ما كان من الأمور العلمية الاعتقادية التي حسب المؤمن فيها أن يؤمن بها، وأن يصدق بها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله، وما وعد الله أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله، وخلقه وتدبيره".
ولا شك أن المصطفى – عليه الصلاة والسلام – قد بلغ ذروة اليقين، ليس فيما أخبر الله به من أمور الدين والإيمان فحسب، بل في كل ما أخبر الله ووعده، حتى أنه – صلى الله عليه وسلم – كان موقنا بأن الله سينصره، ويظهره على العالمين، وهو ما يزال في أقسى مواقف الاضطهاد، والتشريد، والأذى، ولم يستبطئ نصر الله.
وأنه يجب على المسلم حقيقة الاستسلام لحكمه استسلاما يرتقي لدرجة الإحسان، قال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (سورة النساء آية: 65).
واليقين في أمر الله: هو العمل المطلوب من العبد، فيؤمن بأمر الله فيستقيم عليه، ويقوم بأداء هذا العمل الذي افترضه الله عليه.
فيجب على علماء الأمة الإسلامية إحياء اليقين بخبر الله، وما جاء من الأمور الغيبية، هذا ولله الحمد لا شك فيه معلوم عند كثير من المسلمين.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-16-2011, 09:12 AM
مكانة الشهادتين من الدين الإسلامي
شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم- هما الركن الأول من أركان الإسلام الخمسة التي لا يستقيم دين المرء إلا بها، وجعلتا ركنا واحدا مع تعدد المشهود به؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبلغ عن الله تعالى، فالشهادة له بالعبودية والرسالة من تمام الشهادة أن لا إله إلا الله؛ ولأن هاتين الشهادتين أساس صحة الأعمال وقبولها، إذ لا صحة للعمل ولا قبول له إلا بالإخلاص لله تعالى وبالمتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فبالإخلاص لله تتحقق شهادة أن لا إله إلا الله، وبالمتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- تتحقق شهادة أن محمدا عبده ورسوله.
وأول شيء يجب على المكلف هو هذه الشهادة؛ ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ) أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله (. كما أنها آخر شيء يجب على المكلف ) من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة (.
وعن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – قال: ) من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.... أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ( ( ) .
قال صاحب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد قوله: "من شهد أن لا إله إلا الله" أي من تكلم بها عارفا لمعناها، عاملا بمقتضاها، باطنا وظاهرا، فلا بد في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولها كما قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ (سورة محمد آية: 19) وقوله: ﴿ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ (سورة الزخرف آية: 86).
أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه: من البراءة من الشرك وإخلاص القول والعمل – قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح – فغير نافع بالإجماع.
وقال القرطبي في "المفهم على صحيح مسلم": «باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين بل لا بد من استيقان القلب» هذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة، القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كاف في الإيمان.
قال النووي: هذا حديث عظيم جليل الموقع وهو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه -صلى الله عليه وسلم– جمع فيه ما يخرج من ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدها فاختصر في هذه الأحرف على ما يباين به جميعهم.
وما يؤيد على أهمية التوحيد كثرة الآيات والأحاديث الواردة فيه واتفاق الأنبياء على الدعوة إليه.
1- قال تعالى: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ (سورة البقرة آية: 163).
1- قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ (سورة الأنبياء آية: 25).
2- قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ (سورة الحج آية: 62).
هذه الآيات وغيرها تدل على أهمية كلمة التوحيد، وأنها تنجي من ثبتت في قلبه وتنقذه من النار.
ولما قيل للفرزدق وهو يدفن امرأته ماذا أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة، قال الحسن البصري: نعم العدة ولكن لـ "لا إله إلا الله" شروطا فإياك وقذف المحصنة.
ولقد عني أئمة الدعوة السلفية ببيان شروط الشهادتين التي لا تنفع قائلها إلا باجتماعها، واستنبطوا ذلك بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة، وهي سبعة:
1- العلم بمعناها نفيا وإثباتا، وضد ذلك الجهل.
2- اليقين، وهو كمال العلم بها المنافي للشك والريب.
3- الإخلاص المنافي للشرك.
4- الصدق المانع من الكذب والنفاق.
5- المحبة لهذه الكلمة، وما دلت عليه والسرور بذلك.
6- الانقياد بأداء حقوقها، وهي عمل الواجب.
7- القبول المنافي للرد.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-16-2011, 09:13 AM
من أعمال القلوب التقوى
من أجل أعمال القلوب التي ورد الأمر بها وذكرها في الكتاب والسنة: تقوى الله عز وجل.
وقد عُرِّفت التقوى من حيث اللغة بأنها هي الاسم من قولهم: اتّقى، والمصدر: الاتّقاء، وكلاهما مأخوذ من مادّة (و ق ي) الّتي تدلّ على دفع شيء عن شيء بغيره، والثّلاثيّ من هذه المادّة "وقى" يقال: وقيت الشّيء أقيه وقيا، والوقاية ما يقي الشّيء، والاتّقاء اتّخاذ الوقاية وهو بمعنى التّوقّي، يقال: توقّيت الشّيء واتّقيته بمعنى، ومعنى قولهم: اتّق اللّه: توقّه، أي اجعل بينك وبينه كالوقاية، وقول المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم: اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة ( متفق عليه. ) كأنّه أراد اجعلوها (أي شقّ التّمرة) وقاية بينكم وبينها (النّار).
أما تعريفها في الاصطلاح فقد قال الفيروزآباديّ: التّقوى البالغة الجامعة: اجتناب كلّ ما فيه ضرر وهو المعصية، والفضول، فعلى ذلك تنقسم إلى فرض ونفل.
وقد أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بالتقوى في غير ما آية من كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ( سورة آل عمران آية: 102 ) ، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ( سورة الحج آية: 1 ) ، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ ( سورة الحشر آية: 18 ).
وقد ورد في القرآن صفات للمتقين وجزاؤهم؛ حثا للعباد بالاتصاف بصفاتهم؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ ( سورة آل عمران الآيات: 133 - 136 ).
كما ورد في السنة التحضيض عليها ولزومها، فمن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدريّ -رضي اللّه عنه-: ﴿ أنّ رجلا جاءه فقال: أوصني فقال: سألت عمّا سألت عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من قبلك فقال: أوصيك بتقوى اللّه؛ فإنّه رأس كلّ شيء، وعليك بالجهاد فإنّه رهبانيّة الإسلام، وعليك بذكر اللّه وتلاوة القرآن؛ فإنّه روحك في السّماء، وذكرك في الأرض ﴾. ( روه الإمام أحمد ).
وعن أبي ذرّ -رضي اللّه عنه- قال: قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ﴿ اتّق اللّه حيثما كنت وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها، وخالق النّاس بخلق حسن ﴾. ( رواه الترمذي ).
وعن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- قال: ﴿ سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أكثر ما يدخل النّاس الجنّة قال: تقوى اللّه وحسن الخلق ﴾ ( رواه الترمذي. ).
سأل رجل أبا هريرة- رضي اللّه عنه-: ما التّقوى؟ قال: "هل أخذت طريقا ذا شوك؟" قال: نعم، قال: "فكيف صنعت؟". قال: إذا رأيت الشّوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه، قال: "ذاك التّقوى". ( رواه البيهقي. ) .
عن مالك بن أنس -رضي اللّه عنه- قال: "بلغني أنّ رجلا من بعض الفقهاء كتب إلى ابن الزّبير- رضي اللّه عنهما- يقول: ألا إنّ لأهل التّقوى علامات يعرفون بها، ويعرفونها من أنفسهم، من رضي بالقضاء، وصبر على البلاء، وشكر على النّعماء، وصدق في اللّسان، ووفّى بالوعد والعهد، وتلا لأحكام القرآن، وإنّما الإمام سوق من الأسواق، فإن كان من أهل الحقّ حمل إليه أهل الحقّ حقّهم، وإن كان من أهل الباطل حمل إليه أهل الباطل باطلهم". ( رواه الإمام مالك. ) .
وقال طلق بن حبيب -رحمه اللّه-: "التّقوى العمل بطاعة اللّه على نور من اللّه، رجاء رحمة اللّه، والتّقوى ترك معاصي اللّه على نور من اللّه، مخافة عذاب اللّه". ( رواه ابن أبي شيبة ).
بما أن التقوى تقارب من حيث المعنى في بعض الوجوه الورع، فقد فرق بينهما العلماء من عدة أوجه:
1- التّقوى أخذ عدّة، والورع دفع شبهة .
2- التّقوى متحقّق السّبب، والورع مظنون السّبب .
3- التّقوى احتراز عما يتّقيه الإنسان ويحصل به الحيلولة بينه وبين ما يكره، والورع تجاف بالنّفس عن الانبساط فيما لا يؤمن عاقبته .
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-16-2011, 09:15 AM
الرجاء
لقد تكلمنا في الأسبوع الماضي عن الخوف وقلنا: هو من أجل العبادات القلبية وأعلاها وأشرفها، كما هو أحد أركان العبادة ونفس هذه الصفات تنطبق على الرجاء علما أنه لا يجوز صرفه إلا لله وحده لا شريك له، وقبل أن نخوض في صلب الموضوع أو أن نقوم بتعريف الرجاء من جهة اللغة والاصطلاح والشرع.
فالرجاء لغة: من مادة (ر ج و) التي تدل على الأمل الذي هو نقيض اليأس ويمكن أن يكون الرجاء بمعنى الخوف وذلك ظاهر في قوله: ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ (سورة نوح آية: 13).
وشرعا أو اصطلاحا: الاستبشار بجود وفضل الرب تبارك وتعالى والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه.
وقد وجدت في كتب أهل العلم أكثر من خمس معاني للرجاء وكلها متقاربة وخوفا من الإطالة نقتصر بتعريف الذي ذكرناه.
وقد وردت في النصوص الشرعية سواء كانت من الكتاب أو السنة النبوية ما يشير إلى ما في الرجاء من فضل وميزة، ونشير في هذا إلى بعض منها على سبيل المثال لا الحصر، فنقول قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ (سورة الكهف آية: 110) هذه الآية الكريمة تشير إلى الرجاء المتضمن للذل والخضوع وأنه لا يكون إلا لله، وصرفه إلى غير الله شرك محض سواء كان أكبر أو أصغر بحسب ما يقوم بقلب الراجي.
وقد لا يفرق بعض المسلمين بين الرغبة والرجاء ولكن ابن القيم رحمة الله عليه في مدارج السالكين ذكر الفرق بين الرغبة والرجاء وقال: إن الرجاء طمع والرغبة طلب وبناء عليه فهي ثمرة الرجاء، كما ذكر ابن القيم الفرق بين الرجاء والتمني، فالتمني يكون مع الكسل، ولا يسلك صاحبه طريق الجد والاجتهاد، بينما الرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل، أخي العزيز، إن العبادات الواجبة التي أوجبها الله على عباده لا تخلو من فوائد يستفيد منها العبد تقرب قلبه من الله عز وجل وفوائد الرجاء منها:
1- إظهار العبودية والحاجة إلى ما يرجوه من ربه وأنه لا يستغني عن فضله وإحسانه طرفة عين.
2- إنه سبحانه يحب من عباده أن يؤملوه ويرجوه ويسألوه من فضله لأنه سبحانه الملك الحق الجواد.
لا تسألنَّ بُنَيَّ آدم حاجةً
وَسَلِ الذي أبوابُه لا تحجبُ
اللهُ يغضبُ إن تركتَ سؤالَهُ
وبُنَيَّ آدم حين يُسْأل يغضبُ
3- إن الرجاء حاد يحدو به في مسيره إلى الله ويطيب له المسير ويحثه عليه ويبعثه على ملازمته.
4- إن الرجاء يجلب محبة العبد لله، فإنه كلما اشتد رجاؤه وحصل له ما يرجوه ازداد حبا لله تعالى وشكرا له.
5- إنه يجلب الشكر الذي هو خلاصة العبودية وذلك أنه إذا حصل له ما يرجوه كان أدعى لشكر الله.
6- إنه يوجب المزيد من معرفة الله وأسمائه ومعانيها فإن الراجي متعلق بأسماء الله الحسنى متعبد بها داع إليها.
7- إن الرجاء يستلزم الخوف والخوف يستلزم الرجاء، قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ﴾ (سورة الجاثية آية: 14).
8- إن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربه فأعطاه ما رجاه: كان ذلك ألطف موقعا وأحلى عند العبد، وأبلغ في حصول ما لم يرجه.
9- إن الله سبحانه وتعالى يريد من عبده تكميل مراتب عبوديته من الذل والانكسار.
10- إن في الرجاء من الانتظار والتوقع لفضل الله ما يوجب تعلق القلب بذكره.
أخي الكريم إن الرجاء والخوف متلازمان، فكل خائف راج، وكل راج خائف قال تعالى: ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ (سورة الأعراف آية: 99) وقال أيضاً : ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ (سورة الإسراء آية: 57).
أيها القارئ الكريم: أمعن نظرك في هذه الآيات وتدبر فيها عسى الله أن يرزقنا ما فيها من توجيهات وإرشادات.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-16-2011, 09:16 AM
مدار صلاح الظاهر على صلاح الباطن
لا يصلح الظاهر إلا بالقيام بصلاح الباطن، وإذا ظهر صلاح الظاهر تبين أن الباطن في الغالب في نقاء وصلاح.
وتتفاوت الأعمال بتفاضلها بحسب ما قام في الباطن من تعظيم ومحبة وخشية؛ وقد يقوم بالعمل الظاهر شخصان وبينهما من التفاضل جراء ذلك العمل كما بين السماء والأرض، ولذلك قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه فامتلأ قلبه من هيبته وذلت عنقه له واستحيا من ربه تعالى أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه وبين صلاتيهما كما قال حسان عطية : إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض وذلك أن أحدهما مقبل على الله عز وجل، والآخر ساه غافل ( الوابل الصيب (34) . ) .
ويقول الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرح حديث: { ... أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً } ( متفق عليه ) : "إن فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه للمحرمات، واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإن كان قلبه سليماً ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله وخشية الله وخشيته الوقوع فيما يكرهه؛ صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقي الشبهات حذرًا من الوقوع في المحرمات. وإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتباع هواه وطلب ما يحبه ولو كرهه الله؛ فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعث إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع الهوى هوى القلب " ( جامع العلوم والحكم 1 / 210 . ) .
وقال شيخ الإسلام: " فَالْقَلْبُ يَعْقِلُ الْأَشْيَاءَ بِنَفْسِهِ إذْ كَانَ الْعِلْمُ هُوَ غِذَاؤه وَخَاصِّيَّتهُ .. فَصَاحِبُ الْعِلْمِ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ هُوَ الْقَلْبُ .. كَذَلِكَ مَنْ نَظَرَ إلَى الْأَشْيَاءِ بِغَيْرِ قَلْبٍ أَوْ اسْتَمَعَ إلَى كَلِمَاتِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِغَيْرِ قَلْبٍ فَإِنَّهُ لَا يَعْقِلُ شَيْئًا ؛ فَمَدَارُ الْأَمْرِ عَلَى الْقَلْبِ وَعِنْدَ هَذَا تَسْتَبِينُ الْحِكْمَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ ( سورة الحج آية: 46 ) ( مجموع الفتاوى (9 / 312) . ) .
ويقول ابن القيم رحمه الله:"أعمال القلوب هي الأصل المراد المقصود، وأعمال الجوارح تبعاً، ومكملة، ... وأما النية فبمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح كمواتها، وكذلك العمل إذا لم تصحبه النية، فحركة عابث، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح؛ إذ هي أصلها وأحكام الجوارح متفرعة عنها" ( بدائع الفوائد 3 /224. ) .
ومن تأمل الكلام المتقدم تبين له أن أعمال القلوب هي المدار على صلاح الظاهر؛ لأنها هي التي تقوم عليها وهي التي يستقي منها الظاهر مادته واستقامته.
يــتــبــع ان شــاء اللــه
دنيا فانية
05-16-2011, 09:17 AM
الإخلاص
من أعظم أعمال القلوب أهميةً ومنزلةً؛ الإخلاص لله تعالى في جميع الأمور، بل الإخلاص هو الدين كله، ولذلك قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) (البينة: 5) وقال سبحانه: ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ...) (النساء: 125).
والإخلاص مصدر أخلص يخلص وهو مأخوذ من مادّة (خ ل ص) الّتي تدلّ على تنقية الشّيء وتهذيبه.
ولقد ذكر العلماء معاني كثيرة للإخلاص، لكن أكثرها شمولاً هو قول أبي محمد سهل بن عبد الله التستري الذي يقول فيه: نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركاته وسكناته في سرِه وعلانيته لله تعالى وحده، لا يمازجه شيء لا هوى ولا نفس، ولا دنيا. (المجموع شرح المهذب 1/17).
وقد أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بأن يخلصوا له الدين، ويعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ومن ذلك قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) (الزمر: 11-12)، وقال تعالى: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (غافر: 65).
عن أبي أمامة الباهليّ- رضي اللّه عنه- قال: جاء رجل إلى النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذّكر، ما له؟ فقال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- : «لا شيء له». فأعاد ثلاث مرّات. يقول له رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- : «لا شيء له». ثمّ قال: «إنّ اللّه لا يقبل من العمل إلّا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه». رواه النسائي وغيره بسند حسن.
قال الفضيل بن عياض في تفسير قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا عليّ ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إنّ العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتّى يكون خالصا صوابا. الخالص أن يكون للّه والصّواب أن يكون على السّنّة. ثم قرأ قوله تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيميّة أنّ إخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ هُوَ الدِّينُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ سِوَاهُ، وَهُوَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْأَوَّلِينَ والآخرين مِنْ الرُّسُلِ، وَأَنْزَلَ بِهِ جَمِيعَ الْكُتُبِ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَهَذَا هُوَ خُلَاصَةُ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَهُوَ قُطْبُ الْقُرْآنِ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ رَحَاهُ. (مجموع الفتاوى 10 / 49)
ونقيض الإخلاص هو الرياء، وهو عدم إرادة وجه الله تعالى والعمل له، وذلك خطر عظيم على صاحبه، لأنه إذا عدم الإخلاص لم تنفع الأعمال الصالحة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى يعرفه نعمته فعرفها، قال فما عملت فيها: قال قاتلت فيك حتى استشهدت. قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم! وقرأت القرآن ليقال: قارئ! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: جواد! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على زجهه حتى ألقي في النار". رواه مسلم.
دنيا فانية
05-16-2011, 09:19 AM
محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن من أفضل أعمال القلوب وأرفعها محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمحبة النبي -صلى الله عليه وسلم- من أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله عز وجل؛ وهي من العبادات القلبية التي يحبها الله عز وجل.
ومحبة النبي -صلى الله عليه وسلم- علامة صادقة على محبة الله عز وجل؛ لأن دعوى محبة الله -عز وجل- دون محبة نبيه -صلى الله عليه وسلم- واتباعه دعوى كاذبة؛ وقد بين ذلك الله -عز وجل- في كتابه الكريم حيث قال: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سورةآلعمرانآية31)؛ وقد بوب الإمام البخاري في صحيحه بابا سماه: بَاب، حُبُّ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الْإِيمَانِ؛ وأورد عدة أحاديث توجب ذلك الحب الرفيع للنبي -صلى الله عليه وسلم- منها ما رواه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: )فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ(.
قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري:
ومعنى الحديث، والله أعلم: أن من استكمل الإيمان علم أن حق الرسول وفضله آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين، لأن بالرسول استنقذ الله أُمته من النار وهداهم من الضلال، فالمراد بهذا الحديث بذل النفس دونه -صلى الله عليه وسلم-.
ومحبة النبي -صلى الله عليه وسلم- تورث حلاوة الإيمان؛ حيث روى البخاري في صحيحه عن أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: )ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ(.
دنيا فانية
05-16-2011, 09:21 AM
محبة المؤمنين
من أعمال القلوب العظيمة الثواب والجليلة الجزاء أن يحب المسلم إخوانه المسلمين محبة دينية لا لأجل غرض دنيوي.
وهذه المحبة من علامات حب العبد لله ولرسوله؛ لأن حب المؤمنين ناشئ من إيمانهم بالله تعالى؛ فهو يحب كل ما يحبه الله تعالى ويحبه رسوله -صلى الله عليه وسلم- والله ورسوله يحبون المؤمنين، ولذا فالمؤمن يحب المؤمن؛ فيحب إيمانه وطاعته وعبادته؛ وهو من علامات سعادة العبد في هذه الحياة؛ ومن أسباب تذوق حلاوة الإيمان التي لا يجدها إلا المؤمنون.
روى الإمام البخاري في صحيحه عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ) ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ (.
قال الحافظ ابن رجب في كتابه فتح الباري: والحب في الله من أصول الإيمان وأعلى درجاته. وفي "المسند" عن معاذ بن أنس الجهني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن أفضل الإيمان، فقال: )أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله (، وفيه - أيضا - عن عمرو بن الجموح، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: )لا يحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله تعالى ويبغض لله، فإذا أحب لله، وأبغض لله فقد استحق الولاء من الله (، وفيه: عن البراء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ) أوثق عرى الإيمان: أن تحب في الله وتبغض في الله (. وخرج الإمام أحمد، وأبو داود عن أبي ذر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ) أفضل الأعمال: الحب في الله والبغض في الله (. ومن حديث أبي أمامة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ) من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان (. وخرجه أحمد، والترمذي من حديث معاذ بن أنس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وزاد أحمد في رواية: ) وأنكح لله (.
وإنما كانت هذه الخصلة تالية لما قبلها، لأن من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فقد صار حبه كله له، ويلزم من ذلك أن يكون بغضه لله وموالاته له ومعاداته له، وألا تبقى له بقية من نفسه وهواه، وذلك يستلزم محبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال، وكراهة ما يكرهه من ذلك، وكذلك من الأشخاص، ويلزم من ذلك معاملتهم بمقتضى الحب والبغض، فمن أحبه الله أكرمه وعامله بالعدل والفضل، ومن أبغضه لله أهانه بالعدل، ولهذا وصف الله المحبين له بأنهم: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (سورةالمائدةآية54)، وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: ) أسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك (، فلا تتم محبة الله ورسوله إلا بمحبة أوليائه وموالاتهم وبغض أعدائه ومعاداتهم. وسئل بعض العارفين: بما تنال المحبة؟ قال: بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، وأصله الموافقة
دنيا فانية
05-16-2011, 09:22 AM
من أعمال القلوب الصبر
من أعمال القلوب العظيمة التي علق بها فلاح العبد في الدنيا والآخرة عمل الصبر؛ فالصبر له منزلة عالية بين أعمال القلوب، وكيف لا يكون ذلك وله تلك المنزلة والنصوص الشرعية من الكتاب والسنة حافلة بذكر الصبر والثناء على الصابرين، وجزاءهم الجزاء الأوفى في الآخرة والأولى.
والصبر قد ذكر في القرآن بأكثر من تسعين موضعاً، مما يدل منزلة الصبر في الإسلام ومكانته السامية.
وقيل في تعريف الصبر: هو حبس النّفس عن الجزع والتّسخّط، وحبس اللّسان عن الشّكوى، وحبس الجوارح عن التّشويش.
وقد قسمه بعض الأئمة إلى ثلاثة أقسام:
صبر على طاعة الله تعالى.
وصبر عن معصية الله تعالى.
وصبر على أقدار الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الصَّبْرَ فِي كِتَابِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ تِسْعِينَ مَوْضِعًا وَقَرَنَهُ بِالصَّلَاةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ ﴿ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ﴾ ﴿ فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ الْآيَةَ وَجَعَلَ " الْإِمَامَةَ فِي الدِّينِ " مَوْرُوثَةً عَنْ الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ فَإِنَّ الدِّينَ كُلَّهُ عِلْمٌ بِالْحَقِّ وَعَمَلٌ بِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الصَّبْرِ بَلْ وَطَلَبُ عِلْمِهِ يَحْتَاجُ إلَى الصَّبْرِ كَمَا قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ طَلَبَهُ لِلَّهِ عِبَادَةٌ وَمَعْرِفَتَهُ خَشْيَةٌ وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ؛ وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ. بِهِ يُعْرَفُ اللَّهُ وَيُعْبَدُ وَبِهِ يُمَجَّدُ اللَّهُ وَيُوَحَّدُ يَرْفَعُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ أَقْوَامًا يَجْعَلُهُمْ لِلنَّاسِ قَادَةً وَأَئِمَّةً يَهْتَدُونَ بِهِمْ وَيَنْتَهُونَ إلَى رَأْيِهِمْ. فَجَعَلَ الْبَحْثَ عَنْ الْعِلْمِ مِنْ الْجِهَادِ وَلَا بُدَّ فِي الْجِهَادِ مِنْ الصَّبْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالْعَصْرِ ﴾ ﴿ إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ ﴿ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ﴾ فَالْعِلْمُ النَّافِعُ هُوَ أَصْلُ الْهُدَى وَالْعَمَلُ بِالْحَقِّ هُوَ الرَّشَادُ وَضِدُّ الْأَوَّلِ الضَّلَالُ وَضِدُّ الثَّانِي الْغَيُّ فَالضَّلَالُ الْعَمَلُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَالْغَيُّ اتِّبَاعُ الْهَوَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى ﴾ ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾ فَلَا يُنَالُ الْهُدَى إلَّا بِالْعِلْمِ وَلَا يُنَالُ الرَّشَادُ إلَّا بِالصَّبْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ: "أَلَا إنَّ الصَّبْرَ مِنْ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ - فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّأْسُ بَانَ الْجَسَدُ - ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَالَ أَلَا لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ".
دنيا فانية
05-16-2011, 09:23 AM
من أعمال القلوب - الشكر
من أعمال القلوب الرفيعة التي تدل على سمو النفس وكرم الخلق؛ وأثنت الشريعة على ممتثله؛ وعدت أصحابه من القلة خلق الشكر.
والشكر يقوم ابتداء في القلب؛ ثم تنبعث الجوارح في فعل ما يدل على أن صاحبها من الشاكرين.
فالشّكر عرفان الإحسان ونشره، وهو مأخوذ من قولك: شكرت الإبل تشكر إذا أصابت مرعى فسمنت عليه، والشّكران خلاف النكران. والشّكر من اللّه: المجازاة والثّناء الجميل.
وقد أمر الله - عز وجل - عباده المخلصين من رسله وأنبيائه بالشكر؛ وأمر به المؤمنين من أوليائه؛ فقال تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: 144]، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [سورة النحل آية: 114]، وقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: 66].
وقال الإمام ابن القيّم - رحمه اللّه تعالى -: قرن اللّه سبحانه الشّكر بالإيمان، وأخبر أنّه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به فقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [سورة النساء آية: 147] أي: إن وفّيتم ما خلقكم له، وهو الشّكر والإيمان فما أصنع بعذابكم؟ وأخبر - سبحانه - أنّ أهل الشّكر هم المخصوصون بمنّته عليهم من بين عباده. فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: 53].
وقسّم اللّه - سبحانه وتعالى - النّاس إلى شكور وكفور، فأبغض الأشياء إليه الكفر وأهله، وأحبّ الأشياء إليه الشّكر وأهله. قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان آية: 3].
وهذا كثير في القرآن. يقابل - سبحانه - بين الشّكر والكفر فهو ضدّه.
وعلّق اللّه - سبحانه - المزيد بالشّكر والمزيد منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: 7].
وأوقف - سبحانه - الجزاء على المشيئة كثيرا وأطلق ذلك في الشّكر. فقال تعالى: ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [سورة آل عمران آية: 145]، وقال - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [سورة آل عمران آية: 144]، بل قد جعل الشّكر هو الغاية من خلقه وأمره، فقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [سورة النحل آية: 78]، وأخبر - سبحانه - أنّه إنّما يعبده من شكره، ومن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته فقال: ﴿ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [سورة البقرة آية: 172]، وقد أثنى اللّه - سبحانه - على أوّل رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشّكر. فقال: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ [سورة الإسراء آية: 3]، كما أثنى - سبحانه - على خليله إبراهيم بشكره نعمه فقال:﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [سورة النحل آية: 120- 121]، فأخبر عنه - سبحانه - بصفات ثمّ ختمها بأنّه شاكر لأنعمه، فجعل الشّكر غاية خليله، وأمر اللّه - عزّ وجلّ - عبده موسى أن يتلقّى ما آتاه من النّبوّة والرّسالة وتكليمه إيّاه بالشّكر. فقال تعالى: ﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [سورة الأعراف آية: 144]، بل جعل اللّه - عزّ وجلّ - أوّل وصيّة وصّى بها الإنسان بعدما عقل عنه بالشّكر له وللوالدين. فقال: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [سورة لقمان آية: 14] كما أخبر - سبحانه - أنّ رضاه في شكره فقال: ﴿ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ ﴾ [سورة الزمر آية: 7].
دنيا فانية
05-16-2011, 09:25 AM
من أعمال القلوب - الرغبة
من أعمال القلوب المتعلقة به ابتداء والتي لها المكانة العظيمة في الدين: الرغبة فيما عند الله تعالى.
والرغبة إرادة الشّيء مع حرص عليه، فإذا قيل رغب فيه وإليه اقتضى الحرص عليه، وإذا قيل: رغب عنه اقتضى صرف الرّغبة عنه والزّهد فيه.
وورد الأمر بالرغبة فيما عند الله تعالى والرغبة إليه في غير نص من كتاب الله تعالى وفي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - على عدة أوجه.
من ذلك قوله تعالى:﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ﴾ [سورة التوبة آية: 59].
وروى البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب - رضي اللّه عنهما - أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال: ) إذا أخذت مضجعك فتوضّأ وضوءك للصّلاة، ثمّ اضطجع على شقّك الأيمن ثمّ قل: اللّهمّ إنّي أسلمت وجهي إليك، وفوّضّت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك، آمنت بكتابك الّذي أنزلت، وبنبيّك الّذي أرسلت، واجعلهنّ من آخر كلامك، فإن متّ من ليلتك متّ وأنت على الفطرة، قال: فردّدتهنّ لأستذكرهنّ فقلت: آمنت برسولك الّذي أرسلت قال: قل: آمنت بنبيّك الّذي أرسلت (.
والرغبة صفة عباد الله الصالحين من الأنبياء والمرسلين المقربين؛ حيث ذكر الله تعالى أن من أوصافهم الرغبة فيما عنده؛ إذ قال تعالى: ﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُوَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾سورة الأنبياء (89-90).
وروى البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ) حَضَرْتُ أَبِي حِينَ أُصِيبَ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ وَقَالُوا: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا. فَقَالَ: رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ. قَالُوا: اسْتَخْلِفْ. فَقَالَ: أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا، لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّى مِنْهَا الْكَفَافُ لاَ عَلَيَّ وَلاَ لِي، فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ - وَإِنْ أَتْرُكْكُمْ فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (.
قال العلامة ابن القيم: الرّغبة: هي الرّجاء بالحقيقة؛ لأنّ الرّجاء طمع يحتاج إلى تحقيق، أي طمع في مغيّب عن الرّجاء مشكوك في حصوله، وإن كان متحقّقا في نفسه، كرجاء العبد دخوله الجنّة؛ فإنّ الجنّة متحقّقة لا شكّ فيها، وإنّما الشّكّ في دخوله إليها، وهل يوافي ربّه بعمل يمنعه منها أم لا؟ بخلاف الرّغبة، فإنّها طلب، وإذا قوي الطّمع صار طلبا.
دنيا فانية
05-16-2011, 09:25 AM
الرهبة
من أعمال القلوب التي لها المنزلة السامقة والمكانة العالية عمل الرهبة من الله عز وجل.
والرهبة أصلها في اللغة تعود إلى معنيين؛ أحدهما: الخوف، والآخر: الدّقّة والخفّة، والرّهبة ترجع إلى المعنى الأوّل: يقال: رهبه إذا خافه، وتقول: أرهبه واسترهبه إذا أخافه، وترهّب غيره إذا توعّده، والاسم من ذلك: الرّهب والرّهباء.
وقد ورد في الكتاب والسنة صفة الرهبة وأنها من صفات عباد الله الصالحين؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [سورة االأنبياء آية: 89 - 90].
قال الإمام ابن جرير الطبري: ﴿وَرَهَبًا﴾ يعني رهبة منه من عذابه وعقابه، بتركهم عبادته وركوبهم معصيته، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [سورة االأنبياء آية: 90]
قال: رغبا في رحمة الله، ورهبا من عذاب الله.
حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [سورة االأنبياء آية: 90]
قال: خوفا وطمعا، قال: وليس ينبغي لأحدهما أن يفارق الآخر.
روى البخاري في صحيحه: )عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَوْصَى رَجُلًا فَقَالَ: إِذَا أَرَدْتَ مَضْجَعَكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَا وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ(.
وروى البخاري أيضا عن عبد اللّه بن عمر -رضي الله عنهما- ) قال: قيل لعمر: ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منّي، أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير منّي، رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- فأثنوا عليه فقال: راغب وراهب، وددت أنّي نجوت منها كفافا لا لي ولا عليّ، لا أتحمّلها حيّا وميّتا(.
قال العلامة ابن القيم: إذا أراد الله بعبده خيرا وفقه لاستفراغ وسعه وبذل جهده في الرغبة والرهبة إليه فإنهما مادتا التوفيق؛ فبقدر قيام الرغبة والرهبة في القلب يحصل التوفيق.
دنيا فانية
05-16-2011, 09:26 AM
من أعمال القلوب اليقين
من أعظم أعمال القلوب التي لها المنزلة العالية في الدين منزلة اليقين؛ والتي لا يصل إليها العبد إلا بعد مجاهدة ومصابرة.
واليقين في اللغة: هو العلم وإزاحة الشّكّ وزواله؛ وتحقيق الأمر وتحققه.
واليقين قد ورد الأمر به في الشريعة في غير نص من الكتاب والسنة؛ وتوارد كلام العلماء في بيانه وأهميته.
قال العلامة ابن القيّم رحمه اللّه: ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: 5] منزلة اليقين وهو من الإيمان بمنزلة الرّوح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمّر العاملون، وعمل القوم إنّما كان عليه، وإشاراتهم كلّها إليه، وإذا تزوّج الصّبر باليقين؛ ولد بينهما حصول الإمامة في الدّين. قال تعالى - وبقوله يهتدي المهتدون -: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة السجدة آية: 24]، وخصّ -سبحانه وتعالى- أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين، فقال وهو أصدق القائلين: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: 20]، وخصّ أهل اليقين بالهدى والفلاح بين العالمين، فقال سبحانه: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة الآيتان: 4- 5] وأخبر عن أهل النّار: بأنّهم لم يكونوا من أصحاب اليقين، فقال عزّ من قائل: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [سورة الجاثية آية: 32]، فاليقين روح أعمال القلوب الّتي هي أرواح أعمال الجوارح وهو حقيقة الصّدّيقيّة، وقطب هذا الشّيء الّذي عليه مداره، واليقين قرين التّوكّل، ولهذا فسّر التّوكّل بقوّة اليقين. ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا وانتفى عنه كلّ شكّ وريب، وهمّ وغمّ، فامتلأ محبّة للّه، وخوفا منه، ورضا به، وشكرا له، وتوكّلا عليه وإنابة إليه، فهو مادّة جميع المقامات والحامل لها.
درجات اليقين:
اليقين على ثلاث درجات:
أ. علم اليقين: وهو ما ظهر من الحقّ، وقبول ما غاب للحقّ، والوقوف على ما قام بالحقّ؛ فالّذي ظهر من الحقّ هو أوامره ونواهيه ودينه الّذي أظهره على ألسنة رسله. والّذي غاب للحقّ: هو الإيمان بالغيب كالجنّة والنّار والصّراط والحساب ونحو ذلك، أمّا الوقوف على ما قام بالحقّ أي من أسمائه وصفاته وأفعاله.
ب. عين اليقين: ما استغنى به صاحبه عن طلب الدّليل لأنّ الدّليل يطلب للعلم بالمدلول، فإذا كان المدلول مشاهدا له فلا حاجة حينئذ للاستدلال.
ج. حقّ اليقين: وهذه منزلة الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام، فقد رأى نبيّنا -صلى الله عليه وسلم- بعينه الجنّة والنّار وكلّم اللّه تعالى موسى-عليه السلام- بلا واسطة، أمّا بالنّسبة لنا فإنّ حقّ اليقين يتأخّر إلى وقت اللّقاء.
وممّا يوضّح ذلك: أن يخبرك شخص أنّ عنده عسلا وأنت لا تشكّ في صدقه. ثمّ أراك إيّاه فازددت يقينا، ثمّ ذقت منه. فالأوّل علم اليقين، والثّاني عين اليقين، والثّالث حقّ اليقين.
السيد الشويمى
05-17-2011, 09:26 AM
بارك الله فيكم
وجعل هذا العمل فى ميزان حسناتكم
موضوع قيم فعلا
خمس نجوم للموضوع وصاحبته
مُحبة الرحمن
05-18-2011, 08:38 AM
بارك الله فيك مجهود رائع أخيه
لا حرمتِ الأجر
دنيا فانية
05-18-2011, 08:45 AM
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا
شكرا لمروركم
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.