المسلم
03-04-2010, 02:01 PM
أولاً: معنى الرهن:
هو احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم، هكذا حده العلماء، وهو في كلام العرب بمعنى: الدوام والاستمرار، وقال ابن سيده: ورهنه أي أدامه، ومن رهن بمعنى دام قول الشاعر:
الخبز واللحم لهن راهن ... وقهوة رواقها ساكب
قال الجوهري: ورهن الشيء رهناً أي دام، وأرهنت لهم الطعام والشراب أدمته لهم، وهو طعام راهن، والراهن: الثابت، والراهن: المهزول من الإبل والناس.
ثانياً: مشروعية الرهن والحكمة منه:
لما ذكر الله - تعالى- الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأبدان عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرهن، ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو غالب الأعذار لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر، فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس وبالليل، وأيضاً الخوف من فساد ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن.
وقد رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه عند يهودي طلب منه سلف الشعير فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كذب إني لأمين في الأرض، أمين في السماء، ولو ائتمنني لأديت؛ اذهبوا إليه بدرعي).3 (http://www.alimam.ws/ref/2185#_ftn3)
وقد قال جمهور العلماء: الرهن في السفر بنص التنزيل، وفي الحضر ثابت بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهذا صحيح، ولم يرو عن أحد منعه في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود متمسكين بالآية، ولا حجة فيها؛ لأن هذا الكلام وإن كان خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال، وليس كون الرهن في الآية في السفر مما يحظر في غيره.
ثالثاً: مسائل في الرهن:
1- بطلان الرهن:
قال القرطبي: "قال أبو علي: لما كان الرهن بمعنى الثبوت والدوام فمن ثم بطل الرهن عند الفقهاء إذا خرج من يد المرتهن إلى الراهن بوجه من الوجوه، لأنه فارق ما جعل باختيار المرتهن له.
قلت - أي القرطبي -: هذا هو المعتمد عندنا في أن الرهن متى رجع إلى الراهن باختيار المرتهن بطل الرهن، وقاله أبو حنيفة، غير أنه قال: إن رجع بعارية أو وديعة لم يبطل، وقال الشافعي: إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقاً لا يبطل حكم القبض المتقدم، ودليلنا {فرهان مقبوضة}، فإذا خرج عن يد القابض لم يصدق ذلك اللفظ عليه لغة فلا يصدق عليه حكماً وهذا واضح".
2- الانتفاع بالرهن:
روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدَّرِّ يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة) وأخرجه أبو داود، وقال بدل يشرب في الموضعين: (يُحلب) قال الخطابي: "هذا كلام مبهم ليس في نفس اللفظ بيان من يركب ويحلب هل الراهن أو المرتهن، أو العدل الموضوع على يده الرهن؟"
قال القرطبي: "قد جاء ذلك مبيناً مفسراً في حديثين، وبسببهما اختلف العلماء في ذلك، فروى الدارقطني من حديث أبي هريرة ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقته)4 (http://www.alimam.ws/ref/2185#_ftn4) وهو قول أحمد و إسحاق: أن المرتهن ينتفع من الرهن بالحلب والركوب بقدر النفقة، وقال أبو ثور: إذا كان الراهن ينفق عليه لم ينتفع به المرتهن، وإن كان الراهن لا ينفق عليه وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه فله ركوبه، واستخدام العبد، وقاله الأوزاعي والليث.
الحديث الثاني: خرجه الدارقطني أيضاً - وفي إسناده مقال - من حديث إسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يغلق الرهن ولصاحبه غنمه وعليه غرمه)5 (http://www.alimam.ws/ref/2185#_ftn5)، وهو قول الشافعي والشعبي وابن سيرين وهو قول مالك وأصحابه، قال الشافعي: منفعة الرهن للراهن ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن خلا الإحفاظ للوثيقة، قال الخطابي: وهو أولى الأقوال وأصحها بدليل قوله - عليه السلام -: (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه).
قال الطحاوي: كان ذلك وقت كون الربا مباحاً، ولم ينه عن قرض جر منفعة، ولا عن أخذ الشيء بالشيء وإن كانا غير متساويين، ثم حرم الربا بعد ذلك، وقد أجمعت الأمة على أن الأمة المرهونة لا يجوز للراهن أن يطأها، فكذلك لا يجوز له خدمتها، وقد قال الشعبي: لا ينتفع من الرهن بشيء، فهذا الشعبي روى الحديث وأفتى بخلافه، ولا يجوز عنده ذلك إلا وهو منسوخ، وقال ابن عبد البر: وقد أجمعوا أن لبن الرهن وظهره للراهن، ولا يخلو من أن يكون احتلاب المرتهن له بإذن الراهن أو بغير إذنه، فإن كان بغير إذنه ففي حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه)6 (http://www.alimam.ws/ref/2185#_ftn6) ما يرده ويقضي بنسخه، وإن كان بإذنه ففي الأصول المجتمع عليها في تحريم المجهول والغرر وبيع ما ليس عندك وبيع ما لم يخلق ما يرده أيضاً، فإن ذلك كان قبل نزول تحريم الربا. والله أعلم.
وقال ابن خويز منداد: ولو شرط المرتهن الانتفاع بالرهن فلذلك حالتان: إن كان من قرض لم يجز، وإن كان من بيع أو إجارة جاز لأنه يصير بائعاً للسلعة بالثمن المذكور، ومنافع الرهن مدة معلومة، فكأنه بيع وإجارة، وأما في القرض فلأنه يصير قرضاً جر منفعة؛ ولأن موضوع القرض أن يكون قربة، فإذا دخله نفع صار زيادة في الجنس، وذلك ربا.
3- غلق الرهن:
لا يجوز غلق الرهن وهو أن يشترط المرتهن أنه له بحقه إن لم يأته به عند أجله، وكان هذا من فعل الجاهلية فأبطله النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (لا يغلق الرهن)7 (http://www.alimam.ws/ref/2185#_ftn7) أي ليس يغلق الرهن تقول: أغلقت الباب فهو مغلق، وغلق الرهن في يد مرتهنه إذا لم يفتك، قال الشاعر:
أجارتنا من يجتمع يتفرق ... ومن يكُ رهناً للحوادث يغلق8 (http://www.alimam.ws/ref/2185#_ftn8)
هذا ما يتعلق بآية الرهن من معاني وأحكام، ونسأل الله - تعالى- أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعيينا على العمل بما علمنا، إنه على كل شيء قدير.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هو احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم، هكذا حده العلماء، وهو في كلام العرب بمعنى: الدوام والاستمرار، وقال ابن سيده: ورهنه أي أدامه، ومن رهن بمعنى دام قول الشاعر:
الخبز واللحم لهن راهن ... وقهوة رواقها ساكب
قال الجوهري: ورهن الشيء رهناً أي دام، وأرهنت لهم الطعام والشراب أدمته لهم، وهو طعام راهن، والراهن: الثابت، والراهن: المهزول من الإبل والناس.
ثانياً: مشروعية الرهن والحكمة منه:
لما ذكر الله - تعالى- الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأبدان عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرهن، ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو غالب الأعذار لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر، فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس وبالليل، وأيضاً الخوف من فساد ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن.
وقد رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه عند يهودي طلب منه سلف الشعير فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كذب إني لأمين في الأرض، أمين في السماء، ولو ائتمنني لأديت؛ اذهبوا إليه بدرعي).3 (http://www.alimam.ws/ref/2185#_ftn3)
وقد قال جمهور العلماء: الرهن في السفر بنص التنزيل، وفي الحضر ثابت بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهذا صحيح، ولم يرو عن أحد منعه في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود متمسكين بالآية، ولا حجة فيها؛ لأن هذا الكلام وإن كان خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال، وليس كون الرهن في الآية في السفر مما يحظر في غيره.
ثالثاً: مسائل في الرهن:
1- بطلان الرهن:
قال القرطبي: "قال أبو علي: لما كان الرهن بمعنى الثبوت والدوام فمن ثم بطل الرهن عند الفقهاء إذا خرج من يد المرتهن إلى الراهن بوجه من الوجوه، لأنه فارق ما جعل باختيار المرتهن له.
قلت - أي القرطبي -: هذا هو المعتمد عندنا في أن الرهن متى رجع إلى الراهن باختيار المرتهن بطل الرهن، وقاله أبو حنيفة، غير أنه قال: إن رجع بعارية أو وديعة لم يبطل، وقال الشافعي: إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقاً لا يبطل حكم القبض المتقدم، ودليلنا {فرهان مقبوضة}، فإذا خرج عن يد القابض لم يصدق ذلك اللفظ عليه لغة فلا يصدق عليه حكماً وهذا واضح".
2- الانتفاع بالرهن:
روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدَّرِّ يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة) وأخرجه أبو داود، وقال بدل يشرب في الموضعين: (يُحلب) قال الخطابي: "هذا كلام مبهم ليس في نفس اللفظ بيان من يركب ويحلب هل الراهن أو المرتهن، أو العدل الموضوع على يده الرهن؟"
قال القرطبي: "قد جاء ذلك مبيناً مفسراً في حديثين، وبسببهما اختلف العلماء في ذلك، فروى الدارقطني من حديث أبي هريرة ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقته)4 (http://www.alimam.ws/ref/2185#_ftn4) وهو قول أحمد و إسحاق: أن المرتهن ينتفع من الرهن بالحلب والركوب بقدر النفقة، وقال أبو ثور: إذا كان الراهن ينفق عليه لم ينتفع به المرتهن، وإن كان الراهن لا ينفق عليه وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه فله ركوبه، واستخدام العبد، وقاله الأوزاعي والليث.
الحديث الثاني: خرجه الدارقطني أيضاً - وفي إسناده مقال - من حديث إسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يغلق الرهن ولصاحبه غنمه وعليه غرمه)5 (http://www.alimam.ws/ref/2185#_ftn5)، وهو قول الشافعي والشعبي وابن سيرين وهو قول مالك وأصحابه، قال الشافعي: منفعة الرهن للراهن ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن خلا الإحفاظ للوثيقة، قال الخطابي: وهو أولى الأقوال وأصحها بدليل قوله - عليه السلام -: (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه).
قال الطحاوي: كان ذلك وقت كون الربا مباحاً، ولم ينه عن قرض جر منفعة، ولا عن أخذ الشيء بالشيء وإن كانا غير متساويين، ثم حرم الربا بعد ذلك، وقد أجمعت الأمة على أن الأمة المرهونة لا يجوز للراهن أن يطأها، فكذلك لا يجوز له خدمتها، وقد قال الشعبي: لا ينتفع من الرهن بشيء، فهذا الشعبي روى الحديث وأفتى بخلافه، ولا يجوز عنده ذلك إلا وهو منسوخ، وقال ابن عبد البر: وقد أجمعوا أن لبن الرهن وظهره للراهن، ولا يخلو من أن يكون احتلاب المرتهن له بإذن الراهن أو بغير إذنه، فإن كان بغير إذنه ففي حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه)6 (http://www.alimam.ws/ref/2185#_ftn6) ما يرده ويقضي بنسخه، وإن كان بإذنه ففي الأصول المجتمع عليها في تحريم المجهول والغرر وبيع ما ليس عندك وبيع ما لم يخلق ما يرده أيضاً، فإن ذلك كان قبل نزول تحريم الربا. والله أعلم.
وقال ابن خويز منداد: ولو شرط المرتهن الانتفاع بالرهن فلذلك حالتان: إن كان من قرض لم يجز، وإن كان من بيع أو إجارة جاز لأنه يصير بائعاً للسلعة بالثمن المذكور، ومنافع الرهن مدة معلومة، فكأنه بيع وإجارة، وأما في القرض فلأنه يصير قرضاً جر منفعة؛ ولأن موضوع القرض أن يكون قربة، فإذا دخله نفع صار زيادة في الجنس، وذلك ربا.
3- غلق الرهن:
لا يجوز غلق الرهن وهو أن يشترط المرتهن أنه له بحقه إن لم يأته به عند أجله، وكان هذا من فعل الجاهلية فأبطله النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (لا يغلق الرهن)7 (http://www.alimam.ws/ref/2185#_ftn7) أي ليس يغلق الرهن تقول: أغلقت الباب فهو مغلق، وغلق الرهن في يد مرتهنه إذا لم يفتك، قال الشاعر:
أجارتنا من يجتمع يتفرق ... ومن يكُ رهناً للحوادث يغلق8 (http://www.alimam.ws/ref/2185#_ftn8)
هذا ما يتعلق بآية الرهن من معاني وأحكام، ونسأل الله - تعالى- أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعيينا على العمل بما علمنا، إنه على كل شيء قدير.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.